وأهل البدع يقولون بأن (لن) تفيد النفي المؤبد {لَنْ تَرَانِي} وهذا باطل من حيث المعنى لأن الله قال: {وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ} وموسى أعرف بربه من الجهمية وأهل البدع بحيث لا يطلب ما لا يحق له، وفي نفس الوقت هؤلاء يخالفون في كلام أهل اللغة؛ فإن أهل اللغة لا يرون (لن) تفيد النفي التأبيدي كما سرد ذلك ابن مالك -رحمه الله تعالى- في الشافية وليس في الألفية.
ومن رأى النفي بلن مؤبدًا ... فقوله انبذ وخلافه اعمدا
وقوله: يرونه سبحانه وهم في عرصات القيامة، ثم يرونه بعد دخول الجنة كما يشاء الله تعالى:
لم يرد بعد دخول الجنة هل يرونه في اليوم مرة، مرتين، هل يرونه مرة في الأسبوع؟ هل يرونه مرة في الشهر؟ هل يرونه مرة واحدة؟ لم يرد شيء من ذلك، ولا تفصيل ذلك، والأدلة الواردة والآثار المذكورة في بعض كتب العلماء من أنهم يرونه يوم الجمعة، هذه أحاديث معلولة منكرة، أعلمنا الله أنهم يرونه بعد دخول الجنة، ولم يرد شيء يثبت أنهم يرونه في كل جمعة وفي كل ساعة وفي كل لحظة وفي كل يوم، لم يرد هذا، لا تماروا أنهم يرونه، وأن رؤيته من أعلى أنواع النعيم {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} الزيادة هي النظر إلى وجه الرب -جل وعلا- فحري بالمسلم الذي يسمع لمثل هذا أن يجتهد في الأعمال الصالحات ليصل إلى هذه المرتبة، ولذلك يؤخذ من هذا أن هذه الأعمال سبب لدخول الجنة، قال تعالى: {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ويؤخذ من هذا إثبات الجزاء والحساب والبعث بعد الموت، ويؤخذ من هذا إثبات القدرة لله -جل وعلا- ويؤخذ من هذا إثبات الأسماء والصفات لله -جل وعلا- ويؤخذ من هذا إثبات العظمة لله -جل وعلا- حيث يدير الكون كله؛ علويه وسفليه، ولا تختلط عليه أصوات العباد على اختلاف لغاتهم وكثرة عددهم، وهو مطلع على أعمالهم وراءٍ لأفعالهم، وأهل السنة يؤمنون بكل هذا ويثبتون لله ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله - صلى الله عليه وسلم - بما ثبت عنه من الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول، ويثبتون ذلك على فَهْم