ويدعون أهل الأوثان، ويكفرون بمطلق الذنوب، يأتون إلى صاحب الكبيرة فيكفرونه، وقلت قبل قليل أن العبد قد يخطئ ويقول بقول من أقاويل الخوارج، ولا تجوز نسبته إلى الخوارج، وآخر يخطئ ويقول بقول من أقاويل المرجئة أو من أقاويل المعتزلة أو من أقاويل الجهمية ولا تجوز نسبته إلى هؤلاء، من يبن في كلامه وأصوله على الكتاب والسنة، إن زل في هذا المسألة فوافقهم لا يعني أنه منهم.
فمن قال بمطلق التكفير، إذا أتى شخص مثلًا فقال: من ارتكب كبيرة فهو كافر. هذا يسمى خارجي، من أول وهلة نحكم عليه بأنه خارجي، أتى آخر لم يقل بهذا القول، ولكن وقعت عنده شبهة في مسألة وقال: إن هذه ليست من الكبائر: هذه من نواقض الإسلام؛ فلا تجوز نسبته إلى الخوارج؛ حتى لو أخطأ في المسألة؛ حين نضربُ مثلا بالحكم بغير ما أنزل الله؛ حكى الإمام ابن حزم في الإحكام، وابن تيمية في الفتاوى، وابن كثير في البداية والنهاية: هؤلاء يحكون الإجماع على أن من غير دين الله وحكم بغير ما أنزل الله، فهو مرتد عن الدين؛ لنفترض أن هذا القول غلط، فلا يُنْسَبُ من قال بهذا القول إلى الخوارج؛ العجيب في هذا الواقع الآن أن من قال بظاهر الآية: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} ليسوا هم الخوارج؛ لم يقل بذلك الخوارج، ولم تكن بدعة الخوارج أنهم يكفرون من حكم بغير ما أنزل الله؛ ومن قال ذلك؟! ولكن كانوا يُكفِّرون الصحابة؛ يُكفِّرون عليَّا، يكفرون عثمان، يكفرون كافة الصحابة -رضي الله عنهم-؛ هذه بدعة الخوارج، ويقولون لا حُكم إلا لله، مع أنه لم يُعرف عن أحد من الصحابة أنه حكم بغير ما أنزل الله؛ حتى يقال إن الخوارج يُنزِّلون هذه الآية عليهم؛ فهم أخطؤوا في الاستدلال بها، ولم يكونوا يُنزِّلون الآية على وجهٍ مشروع ثم أجمع الصحابة على خلافه.
وأما ما أثر عن ابن عباس: (كفر دون كفر) فهذا أثر منكر جاء من رواية هشام بن حجير عن طاوس عن ابن عباس؛ وإن كان ابن حجير ضعيف الحديث؛ ضعفه الإمام أحمد ويحيى بن معين والعُقيلي وغير هؤلاء من الأكابر، وفي نفس الوقت