للكلم عن مواضعه لعدة أمور:
الأمر الأول: أنهم يقولون ذلك تحاشيًا عن مماثلة صفات المخلوق للخالق، وهم في الحقيقة يشبهون أولًا ثم يعطلون ثانيًا ثم يشبهون ثالثًا، الأمر الذي أدى بهم إلى هذا التأويل الفاسد لغة وشرعًا هو أنهم يظنون أنه إذا وافق اللفظ اللفظ وجد التماثل، وهذا جهل، حتى بعض أهل السنة يجهل القضية، وهي أن المنفي في القرآن هو التماثل لم ينف التشابه، وهذا وضحه شيخ الإسلام بقوة في مناظرة العقيدة الواسطية، المنفي التماثل ولم ينف التشابه؛ لأن التشابه نسبي.
الأمر الثاني: لما شبهوا- وجد في النفوس هذا التشبيه- عطلوا، نفوا حقائق هذه الأسماء والصفات عن الله، ثم وقعوا حين فروا منه ثالثًا وقعوا في التشبيه، شبهوا الله بالجمادات والمعدومات؛ لأن الذي لا يسمع ولا يبصر ولا يرحم ولا يغضب وليس بمستو على عرشه هذا ليس بإله ولا بخالق.
تقدم بالأمس أن طوائف من المشركين يؤمنون بهذا سواء كان من مشركي قريش أومن مشركي القرون الأولى، والدليل على ذلك قوله سبحانه وتعالى حين قال إبراهيم لأبيه: {يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} ، لم يقل آزر وهو مشرك مع أنه يريد أن يحاج ابنه إبراهيم لم يقل: وربك لا يسمع ولا يبصر، فكان إبراهيم يحتج عليه بأن الله هو السميع البصير ولم يكونوا يعارضونه بشيء من ذلك، فيقول إبراهيم عن آلهتهم بأنها لا تسمع ولا تبصر، إذًا لا يعبد الذي لا يسمع ولا يبصر إنما يعبد الذي يسمع ويبصر، لم يكن أحد منهم يعترض ويقول: وربك لا يسمع ولا يبصر، كانوا يؤمنون بذلك، ولكن يأتون بحجج أخرى.