وحكّموها في كافة شئون حياتهم، فكانت عصورهم _ لهذا _ خير العصور في تاريخ المسلمين وأفضلها وأزهرها.
ثم خلف من بعد هؤلاء الأتقياء الأنقياء من سلفنا الصالحين خلف غضوا من مكانة السنة، جهلًا وتهاونًا، فأطلّت البدع حين غابت السنن، واتسع الشر، وغلب الفساد والجهل، فضعفت الأمة وتأخرت وطمع فيها أعداؤها، فطعنوا في الدين، وشوهوا حقائقه، وتولى كبر هذه الفتنة المستشرقون الذين انطوت نفوسهم على بغض لهذا الدين كبير، فأرادوا التشكيك في أحد قسمي الوحي وهي السنة المطهرة، متعللين بأن من السنة ما صح وما لم يصح، فهي لهذا - زعموا - لا ينبغي الاعتماد عليها في تقرير الأحكام الشرعية، ولو أنصفوا لاعترفوا بأن تاريخ الإنسانية لم يعرف أمة حفظت تراثها، بمثل ما حفظت أمة الإسلام سنة نبيها، حيث قام علماؤها الجهابذة بوضع القواعد التي تمنع من أي عبث بهذا العلم العظيم، وكيف أن العلماء تشددوا في هذه القواعد حتى استقرت الثقة التامة في ما يصححونه من حديث نبيهم - صلى الله عليه وسلم -.
ومن قَبل المستشرقين المعادين للإسلام، كان فريق ممن عموا وصموا يطعنون في السنة، ويتنقصون أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ورضي عنهم، ولا يزال هؤلاء الطاعنون إلى يومنا هذا يتخبطون في جهالاتهم، ويسيرون في ظلماء مدلهمة، وما ذاك إلا لأنهم حرموا أنفسهم من هداية السنة، وعشوا عن نورها الذي أضاء الله به جنبات الأرض.
بيد أن الأمة لم تواصل سيرها على هذا الخير بتمامه وكماله، فتنكبت الطريق، ففقدت الكثير مما كان لها من مكانة ومجد، حين جهل المسلمون بسنة نبيهم - صلى الله عليه وسلم -.
لكن قدر الله تعالى ماض ببقاء الخير في الأمة المسلمة، متمثلًا في طائفة مهتدية بالسنة لا يضرهم من خالفهم. فقد صحّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من ناوأهم حتى تقوم الساعة"فروى البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة من صحيحه من حديث الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ"ورواه مسلم في كتاب الإيمان من صحيحه.
وترجم البخاري في صحيحه بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ يُقَاتِلُونَ، وَهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ.