عما تلاه عليهم من قرآن وما سمعوه من حديث وما تعلموه من أحكام، وكان هذا شأن كل المسلمين في هذا العهد، حتى إن من بعدت به المسافات عن المدينة كان إذا نزل به أمر يرحل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسأله عما نزل به ليقف على حكم الله ويعمل به، فروى البخاري في صحيحه عن عقبة ابن الحارث أن امرأة أخبرته بأنها أرضعته هو وزوجته، فركب من فوره إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة قاصدًا المدينة حتى بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن حكم الله في من تزوج امرأة لا يعلم بأنها أخته من الرضاعة، ثم أخبرته بذلك من أرضعتهما فقال النبي صلى الله عليه وسلم"كيف وقد قيل؟"وأمره بفراقها، ففارقها على الفور. وكان من معالم هديه صلى الله عليه وسلم في تعليم أصحابه أنه كان يفصح في الكلام في بساطة وسهوله ووضوح عبارة، وكان ربما أعاد الكلام ثلاثًا ليفهم عنه، وربما طرح على أصحابه مسألة ليختبر ما عندهم من العلم ويسبر ما لديهم من فهم، وليشحذ أذهانهم للتفكير والنظر، وكان إذا سئل عن مسألة ربما أفاض في الجواب ليوضح مسألة أخرى مناسبة للمقام، وكان صلى الله عليه وسلم يتخولهم بالموعظة كراهة الملل، إلى غير ذلك من عناصر الخطة الحكيمة التي اتبعها النبي صلى الله عليه وسلم في تعليم أصحابه حتى كانوا رضي الله عنهم أساتذة في التعليم أمناء على ما استحفظوا من القرآن والسنة.
المبحث الثالث
كيف كان الصحابة يتلقون الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم
لما كان عدد الحاضرين في مجالس النبي صلى الله عليه وسلم يختلف كثرة وقلة، اختلف لذلك حال المروي عنه فبعضه نقله عنه جمع كبير تحصل معه الثقة التامة بثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي اصطلح على تسميته بالمتواتر، وهو قسمان متواتر لفظًا وهو قليل من الأحاديث مثاله: حديث أبي هريرة في الصحيحين"من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار"متواتر معنى وهو كثير ومن ذلك الأحاديث الواردة في أحكام الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج والبيوع والنكاح والغزوات مما لم يختلف فيه أهل العلم. ومن المرويات ما لم يبلغ حد المتواتر وهو الذي اصطلح على تسميته بخبر الآحاد أو بخبر الواحد.