المبحث الرابع
جهود الصحابة والتابعين في جمع الحديث وروايته ومناهضتهم للكذابين
ظل الصحابة الكرام على موقفهم من السنة النبوية ورعايتها من التحريف والكذب , وقاموا بواجب الرقابة الدقيقة على كل ما ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أحاديث , لا سيما بعدما وقعت الفتنة كانوا لا يقبلون حديثا إلا بعد فحص إسناده ومعرفة رجاله رجلا رجلا , فيروي مسلم في مقدمة صحيحة (1/ 15) عن ابن سيرين قال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا سموا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم. اهـ
ومن تلك الرقابة الدقيقة التي كان يمارسها الصحابة الكرام على أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا إذا رأوا القصاصين الكذابين جلسوا في المساجد ليحدثوا الناس زجروهم وطردوهم.
فروى ابن أبى شيبة في مصنفه (5/ 291) عن عقبة بن حريث قال سمعت ابن عمر وجاء رجل قاص وجلس في مجلسه فقال ابن عمر: قم من مجلسنا فأبى أن يقوم فأرسل ابن عمر إلى صاحب الشرط؛ أقم القاص , فبعث إليه فأقامه. اهـ
وبجانب هذا التفحص والتثبت والبحث عن رجال المرويات لكشف الكذابين وتحذير الناس منهم كان الصحابة يبذلون جهودًا كبيرة في جمع الأحاديث وروايتها وتعلمها وتعليمها والرحلة في طلبها , وإليك تفصيل ذلك:
أولا: اتساع الفتوحات الإسلامية وتوزع الصحابة في الأمصار
امتدت الفتوحات الإسلامية شرقا وغربا وشمالا وجنوبا , واتسعت رقعة الدولة الإسلامية , فقد فتح الشام والعراق سنة سبع عشرة هجرية , وفتحت مصر سنة عشرين , وفارس سنة إحدى وعشرين , وسمرقند سنة ست وخمسين , فدخلت شعوب وأقوام عديدة في الإسلام , وكانت تلك الشعوب بحاجة ماسة لتعلم أحكام الإسلام , وسماع القرآن وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم , فأرسل الخلفاء جماعات من الصحابة إلى الأمصار المفتوحة لتعليم المسلمين الجدد القرآن والحديث , واستوطن كثي من الصحابة المعلمين