وترجم البخاري باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه، وأورد فيه حديث الأسود قال: قال لي ابن الزبير: كانت عائشة تُسِرّ إليك كثيرًا فما حدثتك في الكعبة؟ قلت: قالت لي: قال النبي صلى الله عليه وسلم يا عائشة لولا قومك حديث عهدهم - قال ابن الزبير - بكفر، لنقضت الكعبة فجعلت لها بابين، باب يدخل الناس وباب يخرجون، ففعله ابن الزبير.
وترجم البخاري في كتاب العلم باب من خص بالعلم قومًا دون قوم كراهية ألا يفهموا وأورد فيه قول علي"حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يُكَذّب اللهُ ورسولُه"والمعنى: دعوا ما ينكرون أي يشتبه عليهم فهمه.
وقال الحافظ بن حجر في فتح الباري عند شرح أثر عليّ: فيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة. ومثله قول ابن مسعود:"ما أنت بمحدث قومك حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة"رواه مسلم.
وممن كره التحديث ببعض دون بعض أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان، ومالك في أحاديث الصفات، وأبو يوسف في الغرائب، ومن قبلهم أبو هريرة كما تقدم عنه في الجرابين وأن المراد ما يقع من الفتن، ونحوه عن حذيفة وعن الحسن أنه أنكر تحديث أنس للحجاج بقصة العرنيين لأنه اتخذها وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهي، وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة وظاهره في الأصل غير مراه، فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب. ا هـ
المبحث الثالث
رد شبه واردة على منهج الصحابة في رواية الحديث والعمل به
قد يقول قائل: إن تقليل الصحابة الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لاكتفائهم بالقرآن، وما اشتهر من السنة ثم تقديمهم آراءهم على السنة الأحادية، ولهذا فقد كانوا يتشددون