في قبول الأخبار فيطلبون البينة على ما يروى منها، بل ربما استحلفوا الراوي، بينما كان باب الرأي في كثير من الحوادث مفتوحا"."
فالجواب: أنهم رضي الله عنهم كانوا يقللون الرواية خشية الوقوع في الخطأ والنسيان وضعف الضبط كما بينّا آنفا، إذ إن ضبط المقل في الرواية أكثر من ضبط المكثر، وكذلك كان من قصدهم الاحتراز من تلاعب المنافقين بالحديث النبوي والعبث به بمحاولتهم خلطه بأهوائهم، ثم إن كثيرا"من الصحابة لم يكونوا حفظوا القرآن فآثر الخلفاء الراشدون وعلماء الصحابة أن يتوفر الناس على حفظ القرآن أولا"ثم ينهلون من السنة الثابتة بقدر الحاجة.
ويظهر لي وجه آخر في حرص كبار الصحابة وعلمائهم على الإمساك بزمام الرواية، وتخفيف سرعة الانطلاق بها من كل احد من الصحابة، وهو أن الصحابة لم يكونوا على درجة واحدة من الضبط، بل كانوا يتفاوتون، وربما كان التفاوت كبيرا"،فقد كان فيهم الكبار والناشئة، وكان فيهم العربي الفصيح اللسان وغيره، وكان فيهم قديم الصحبة وجديدها، وكان منهم أعراب لم يتيسر لهم لقاء النبي صلى الله عليه وسلم إلا قليلا، وكان يخشى أن يروى حديث في غير سياقه، وينزّل عند روايته في غير منزلته، وربما غاب عن الكثيرين منهم معرفة الناسخ من المنسوخ، وإدراك المقيد من المطلق والخاص من العام إلى غير ذلك، فأراد علماء الصحابة ضبط الأمر فأوصوا بالتريث وتقليل الرواية حتى يتسنى للضابطين جمع السنة وتمحيصها وتسليمها للأجيال صافية دقيقة."
ومهما كان من أمر فلم يكن لدى الصحابة أدنى تقصير في جمع السنة، وتبليغها وتعظيمها وتقديمها على الرأي، بل إبطال كل رأى يخالفها، وأما طلبهم شاهدا"على السماع، أو استحلافهم الراوي عليه، فما كان ذلك قاعدة عندهم، ولا أمرا"ثابتا"مطردا"مع كل راوي، بل كان ذلك يقع احيانا عند الارتياب في ضبط الراوي، والشك في سلامة نقله، والدليل على ذلك أنهم كانوا يقبلون من غير تردد أخبارًا"عن أفراد من الصحابة لم يروها غيرهم، وذلك حين اطمأنوا لحفظهم وضبطهم، فقد روى الترمذي في كتاب الديات أن عمر كان يقول: الدية على العاقلة ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئا حتى اخبره الضحاك بن سفيان الكلابي أن رسول الله"