فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 131

والتنابز بمثالب أعدائهم، وكانت العصبية القبلية الجاهلية تؤجج فيهم اليقظة، وتحثهم على الضبط، وتشط ذاكرتهم ليفوزوا بالصراع الذي ملك عليهم أنفسهم ومشاعرهم.

(وإن الله تعالت قدرته هيأ هذه الأمة العربية بهذا الاستعداد الهائل إرهاصًا لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم فكانت هذه الصدور الحافظة مهدًا لآي الذكر الحكيم، وكانت هذه القلوب الواعية أوعية لحديث النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، فاندلع هؤلاء الصحابة الأجلاء إلى تلقي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بنهم عظيم وشوق كبير، وأظهر الله بهم دينه على الدين كله(وكان أمر الله قدر مقدورًا) .

نعم تظاهر هذان العاملان؛ العامل الروحي والعامل الفطري فأتى القوم بما لم تأت به أمة من يوم أن بعث الله تعالى رسله إلى الخلق، فحفظوا كتاب ربهم، وسنة نبيهم واتخذوا شريعته نبراسا في أمر معاشهم ومعادهم، وبلغوها إلى الناس على وجهها غضة طرية. اهـ

المبحث الثاني

مجالس النبي صلى الله عليه وسلم العلمية

تبين مما سبق كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يشرح أحكام القرآن الكريم، ويقوم بالتبليغ والبيان، وكانت هذه المهمة تستغرق جميع وقته وتشغل تمام همه، وتنتظم كافة أحواله، في المسجد والبيت والطريق، في السفر والحضر، في الحرب والسلم، فقد كان صلى الله عليه وسلم معلمًا ومرشدًا وهاديًا ومدرسًا وخطيبًا ومربيًا، وكان هو القاضي والمفتي يفزع إليه الصحابة عند كل حادثة ويتوجهون إليه لحل أي مشكله، وكان القرآن ينزل ليبين له حكم الحوادث والنوازل.

وكان صلى الله عليه وسلم قريبًا من أصحابة، لا يريد أحد منهم أن يراه ويحدثه ويجالسه إلا وجده مرحبا به باشًا له، باذلا له النصح، معينا له على ما ينزل به من مشاكل، فلم يكن على بابه صلى الله عليه وسلم حاجب يحجب الناس، بل كانوا يُحضرون أولادهم الصغار إلى مجالسه صلى الله عليه وسلم لسماع حديثه والتأدب بآدابه. ولم يكن جميع الصحابة يلازمون النبي صلى الله عليه وسلم في كل الأوقات، بل كان منهم من يلازمه في كل وقت، كأبي بكر وأبي هريرة رضي الله عنهما، وكان منهم من يتخلف عنه في بعض الأوقات للتكسب، بيد أنهم كانوا حريصين على تحصيل ما فاتهم في غيابه فكانوا يسألون إخوانهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت