ولم يخف عليهم منزلة العلم والعلماء في القرآن، حيث قرأوا قول الله تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} (الزمر:9) وقرأوا {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (المجادلة:11) ، كما وجدوا في القرآن الحث على التفقه في الدين وتبليغ العلم إلى الناس {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (التوبة:122) .
كما لم يغب عنهم الوعيد الشديد الذي قرع القرآن به الأسماع على كتمان العلم، قال تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} (البقرة:159) ، كما وجدوا في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم تأكيد الحث على طلب العلم وتبليغه والترهيب البالغ عن كتمان العلم، ففي الصحيحين من حديث معاوية رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال"من يرد الله به خيرًا يفقهه الدين"، وروى الترمذي وحسنه من حديث أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول"ألا إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالم أو متعلم"وروى مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"من سلك طريقًا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة"
وروى الترمذي وصححه من حديث عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال"نضر الله أمرأ سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلّغها فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه".
وروى أحمد وأبو داود من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"من سأل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار يوم القيامة"ورواه ابن ماجه من حديث أنس.
وعى الصحابة رضي الله عنهم هذه الأحاديث وتمكنت معانيها من نفوسهم وعقولهم فانطلقوا في نشاط وهمة في حفظ الأحكام والسنن، وساعدهم على ذلك استعدادهم الفطري وقوة الذاكرة وسرعه الخاطر، فلم يكن العرب يقرأون أو يكتبون بل كانوا أميين فاعتمدوا على ملكاتهم الفطرية في الحفظ، تلك الملكات التي مكنتهم قبل الإسلام من حفظ أنسابهم ومناقبهم وأيامهم وأشعارهم وخطبهم ومفاخرهم ومثالب أعدائهم، إذ كانت بينهم مساجلات يتفاخرون فيها بالأحساب والأنساب، وكانت تلك الملكات من قوة الحافظة وتمام النباهة سلاحهم في مثل تلك اللقاءات التي كانت القبائل تعقدها للمفاخرة بأنسابهم