المال والمكانة الاجتماعية، وهم السواد الأعظم من الناس، فإذا احتاجوا من الأغنياء قرضًا أعطوهم بالربا، فيزداد الثريُّ ثراء، ويزداد الفقير المعدوم فقرًا وبؤسًا.
وكان من شأن هذه الطبقية البغيضة، وانعدام الرأفة والرحمة في نفوس الأشراف على أولئك البؤساء من العبيد والفقراء أن توَلد في نفوس القاعدة العريضة من الجماهير المطحونة الحقد والكراهية لأولئك الأثرياء.
كانت الجزيرة العربية تعيش في جهل وضلال وفتن ومظالم،، وفقر مدقع، وخمر وزنا وربا وأحقاد وحروب تأكل الأخضر واليابس، فلا غرو أن تتشوّف النفوس للخلاص من ذلك كله، وأن يتطلع الناس بشوق ولهفة إلى من يأخذ بأيديهم بعيدًا عن هذا الشقاء.
فكان من رحمة الله تعالى أن بعث فيهم رسولًا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة.
كان هذا الرسول الكريم هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب - صلى الله عليه وسلم -، خاتم المرسلين، أشرف العرب نسبًا وأكرمهم أصلًا ومحتدًا. بدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدعوة قومه إلى الإيمان بالله وحده وإفراده بالعبادة، وخلع الأوثان، واجتناب الشرك، وأمرهم بالصدق والعفاف، والأمانة، ونهاهم عن الكذب والخيانة.
بدأت الدعوة سرًا فتبعه أفراد قلائل، تعرضوا معه - صلى الله عليه وسلم - لصنوف من الاضطهاد والأذى على أيدي صناديد الكفر في مكة حتى أذن الله لنبيه بالجهر بالدعوة فآمن معه خلق كثير كان منهم وجهاء من أشراف قريش، خالط الإيمان بشاشة قلوبهم، فصادف قلوبًا متعطشة للهداية، متهيئة للإيمان، متطلعة لحياة طاهرة يغلب عليها الخير والعدل، فأقبلوا على الإسلام بصدق وحب ورضا، فتمكن الإيمان من نفوسهم، وأحبوا نبيهم ووقروه، وأطاعوا أمره، وتلقوا ما جاءهم به من القرآن بلهفة ورغبة، ثم بعد الهجرة إلى المدينة انفسح المجال لسماع القرآن، وحضور مجالس النبي - صلى الله عليه وسلم - العلمية.
حفظوا ما تلاه عليهم النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن، ووعوا ما حدثهم به من بيان للقرآن، أو تشريع للأحكام، وأيقنوا أن السنة هي الركن الثاني في بناء هذا الدين، وسمعوا من القرآن التحذير الشديد من مخالفة نبيهم، وأن الحرمان والخذلان في مخالفة هدية، وأن السعادة في الدارين في اتباع سنته.