تلك البلاد التي أرسلوا إليها فكانوا بمثابة معاهد علمية يجتمع إليها الناس ويأخذون العمل عنهم ويحفظون عنهم القرآن والحديث ويستفتونهم فيما يعرض لهم من قضايا ومسائل , وكانت المساجد هي المدارس التي يشع منها نور الهداية , والمنارات التي تضيئ السبيل للسائرين.
وبهذا تكونت دور الحديث في الأمصار فكان منها:
1 -دار الحديث بالمدينة المنورة
لما كانت المدينة هي دار هجرة النبي صلى الله عليه وسلم , وكان معظم حديثه صلى الله عليه وسلم فيها , وكان فيها من كبار علماء الصحابة الذين رووا حديث النبي صلى الله عليه وسلم كأبي بكر وعمر وعلي قبل انتقاله إلى الكوفة وأبو هريرة وعائشة أم المؤمنين , وعبد الله بن عمر وأبو سعيد الخدري , وزيد بن ثابت , الذي اشتهر بالعلم بالأحكام , وظل مرجعا في القضاء والفتوى والقراءة والفرائض إلى أن مات في خلافة معاوية رضي الله عنهم أجمعين , لما كان ذلك فقد تخرج على أيدي هؤلاء الأكابر الأجلاء نفر من كبار التابعين كسعيد بن المسيب , وعروة بن الزبير , وابن شهاب الزهري , وعبيد بن عبد الله بن عتبة بن مسعود , وسالم بن عبد الله بن عمر والقاسم بن محمد بن أبى بكر , ونافع مولى ابن عمر , وغير هؤلاء من حفاظ السنة.
2 -دار الحديث بمكة المكرمة
لما فتحت مكة أبقى النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل فيها يعلم الناس الحلال والحرام , وكان معاذ رغم صغر سنه من علماء الصحابة بالحلال والحرام , وكان من أفضل شباب الأنصار علمًا ونباهة, وقد روى عنه عمر وابنه وابن عباس، وقد تولى ابن عباس التدريس والتحديث في دار الحديث بمكة , ولما كان ابن عباس من كبار أهل العلم في الصحابة فقد كان لمكة شهرة علمية متميزة , وكان بمكة كثير من الصحابة غيره منهم عبد الله بن السائب المخزومي قارئ الصحابة بمكة وعتّاب بن أسيد خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها وأخوه خالد بن أسيد , والحكم بن أبى العاص , وعثمان بن طلحة.
وقد تخرج بهذه الدار على يد ابن عباس كثير من التابعين من أشهرهم مجاهد بن جبر وعكرمة مولى ابن عباس وعطاء بن أبى رباح.