كان جل الصحابة يعتمدون في حفظهم للأحاديث على الذاكرة، ثم يبلغونها للناس إلا ما كان من عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما فقد أذن له الرسول صلى الله عليه وسلم في كتابة الحديث عنه فروى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من الرسول صلى الله عليه وسلم أريد حفظه، فنهتني قريش فقالوا إنك تكتب كل شيء تسمعه من الرسول صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا فأمسكت عن الكتاب فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق".
هذا ولأجل اختلاف الصحابة في معرفة الكتابة وعدم معرفتها، وقلة حضورهم مجالس النبي صلى الله عليه وسلم وكثرتهم اختلفوا في تحمل الحديث وآدائه قلة وكثرة، وكان منهم المقل ومنهم المكثر فهذا أبو هريرة رضي الله عنه يقول فيما رواه البخاري عنه في كتاب العلم:"ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثًا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب".
كما وقع شئ من التنوع في فقه الحديث راجع إلى تفاوت درجاتهم في الاستعداد الفطري، وملكات الفهم، إلا أنهم جميعًا على اختلاف مستوياتهم كانوا يرجعون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليبن لهم ويفصل.
أثر النساء في نشر الحديث
كان اهتمام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأسرة المسلمة عظيمًا، فكان للمرأة في وقت النبي صلى الله عليه وسلم جانب كبير، حيث كان يلتقي بالنساء ويعظهن ويذكرهن بالله، بل كان النساء يحضرن مجالسه صلى الله عليه وسلم في المسجد ويصلين معه، ويسمعن دروسه وأحاديثه، وفي صلاة العيد كن يشهدن الصلاة معه ويستمعن إلى الخطبة، ولم يكتف النساء بذلك بل طلبن من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهن يومًا يعلمهن فيه فأجابهن صلى الله عليه وسلم لذلك، وكانت المرأة تسأله صلى الله عليه وسلم عن كل ما يعرض لها لتعرف حكم الله ورسوله فيه لتعمل به، وكان منهن من تسأل عن الأمر الخاص بالنساء، وقد مدحتهن عائشة رضي الله عنها بذلك فقالت فيما رواه البخاري: نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين، أما من كان يغلب عليها الحياء منهن