، ولا مشاغب أن يحرك شرًا، فقد كان رضي الله عنه بابًا في وجه الفتن حصينًا، وسدًا أمام الشرور منيعًا، ثم تولى عثمان رضي الله عنه، ومكث في ولايته اثني عشر عامًا، توسعت فيها الفتوحات، وانتشر الإسلام في أصقاع الأرض، وأمر عثمان بكتابة المصحف حسمًا للخلاف في القرآن، وجمعًا للأمة على كتاب ربها، فدرأ الله به عن المسلمين شرًا كاد أن يثور.
ثم إن قدر الله تعالى سبق بالبلاء على هذا الخليفة الراشد، صاحب المناقب العالية والمكانة السامية، فحرك بعض الأشرار الفتنة ونفخوا في نارها، حيث عابوا عليه بعض اجتهاده في تولية بعض قرابته ممن كان يرى فيهم غناءً، وصلاحًا لأمر المسلمين، وهيّج هؤلاء الأشرار الغوغاءَ من الأمصار، فزحفوا على المدينة، وتسوّر فريق من هؤلاء الأشرار دار أمير المؤمنين عثمان، وتقدم أشقاهم فضربه بالسيف فقتله، وأصاب السيف أصابع زوجته نائلة التي مدت يدها لتدرأ عن زوجها الشيخ الكبير ضربة السيف، فأطار السيف أصابعها. وانصدع بناء الإسلام، ودب الخلاف والشقاق بين المسلمين، وبايع الناس علي بن أبي طالب، لكن الأحوال لم تستقر، ولم يجتمع عليه المسلمون جميعًا كما كان الأمر في زمن الخلفاء الثلاثة السابقين، فكان معظم جند المسلمين مع معاوية في الشام، فامتنع عن البيعة لعلي، وطالبه أولًا بالثأر لعثمان والاقتصاص من قتلته، فلم يستجب علي لما كان يخشى من بأس الأشرار وكثرتهم، وطالب معاوية بالبيعة أولًا حتى يقوى أمر الخلافة، ويكون لدى الأمير من القوة ما يمكنه من محاكمة المجرمين، فلم يقتنع أي من الطرفين برأي الآخر، وتفاقم الخلاف حتى وصل إلى الاقتتال، ودارت بين الطرفين حروب راح ضحيتها عدد هائل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وانتهى الأمر بموقعة صفّين التي آل أمرها إلى التحكيم، فرضيه من أصحاب علي جماعة، وأنكره آخرون.
انقسم المسلمون بعد ذلك إلى خوارج، وهم الذين عدّوا التحكيم كفرًا، فحكموا بكفر علي وأصحابه، ورفعوا شعار"لا حكم إلا لله"، ورد عليهم علي بقولته المشهورة"كلمة حق أريد بها باطل".