ولكن ابن الصديق كان نسيج وحده في منهاجه، يوافق كل طائفة في شيء ويخالفها في أشياء. ولا يكتفي بذلك حتى يهاجم كل طائفة فيما خالفها فيه، وقد بينت أن ذلك هو الذي جلب عليه كثرة الأعداء لأنه خالف الجميع.
إلا أنه من العجيب فيه: هو أنه ثار على جميع الأوضاع القائمة في المناهج العقيدية والمذهبية، إلا التصوف فإنه أبقاه على ما وصل إليه في القرون المتأخرة، بل إنه نبذ التقليد في العقائد، فقال:"إن السني الأثري ليس في العقائد أشعريا ولا ماتريديا ولا حنبليا، كما أنه ليس مالكيا ولا حنفيا ولا شافعيا ولا حنبليا ..."إلخ.
ولكنه لم يقل: ولا في السلوك والتصوف شاذليا ولا قادريا ولا نقشبنديا .. إلخ، بل أبقى الطريقة الصديقية الدرقاوية الشاذلية، وحاول تصحيح سندها في"البرهان الجلي".
وهذا هو الذي نعاه عليه الهلالي في كتابه"الدعوة إلى الله"، والألباني في"تحذير الساجد".
وهو الذي استدركه شقيقه محمد الزمزمي رحمه الله تعالى، فنبذ الطرقية كما نبذ المذهبية.
أما أنا، فأقول كما قال ابن تيمية في"مجموع الفتاوى" (3/ 416) :"والله قد سمانا في القرآن المسلمين المؤمنين عباد الله، فلا نعدل عن الأسماء التي سمانا الله بها إلى أسماء أحدثها قوم وسموها هم وآباؤهم ما أنزل الله بها من سلطان. بل الأسماء التي قد يسوغ التسمي بها مثل: انتساب الناس إلى إمام كالحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، أو إلى شيخ كالقادري والعدوي ونحوهم، أو مثل الانتساب إلى القبائل كالقيسي واليماني، وإلى الأمصار كالشامي والعراقي والمصري، فلا يجوز أن يمتحن الناس بها، ولا يوالى بهذه الأسماء ولا يعادى عليها. بل أكرم الخلق عند الله أتقاهم من أي طائفة كان". اهـ.
وكما قال في (3/ 229) من"الفتاوى"كذلك:"مع أني في عمري إلى ساعتي هذه لم أدع أحدا قط في أصول الدين إلى مذهب حنبلي وغير حنبلي، ولا انتصرت لذلك، ولا أذكره في كلامي، ولا أذكر إلا ما اتفق عليه سلف الأمة وأيمتها". اهـ.
وقد كان أبي - رحمه الله - يقول لي ما قال الإمام مالك:"أهل السنة من لا اسم لهم سوى السنة".