فقد أخذ العلم بالقرويين ثم سافر للمشرق، للحرمين وغيرهما. ولقي أهل الحديث من الهنديين، فتأثر بإمامهم السيد نذير حسين المحدث الدهلوي، رحمه الله تعالى، ولعله تأثر بالحركة الوهابية أيضا، فعاد للمغرب زمن السلطان الحسن بن محمد بن عبد الرحمن، فأعلن بقوة نبذ المذهب والعمل بالدليل، وأن الأشاعرة ضلال جهمية، والصوفية مبتدعة. فاتهموه بالخارجية والاعتزال والضلال المبين.
واستقر به المقام في طنجة يشرح صحيح البخاري، ويكفله السلطان عبد العزيز بن الحسن بعدما عزل من الملك. وقد تأثر به جماعة واستجازوه ومنهم جملة ممن ذكرت في أصحاب الدكالي.
وإنما أضعف الدكالي: حدته الكبيرة، فلم يلطف العبارة ولا اعتبر بزمانه، كما أن صحبته للسلطان اثرت في نظرة الناس إليه. لكنه كان أقوم وأحسن من الدكالي، غير أنه لم يؤلف هو كذلك.
وقد خلفه في هذا المنهج تقي الدين الهلالي الذي أخذ عن ابن العربي العلوي، ثم شد الرحال يطلب الحديث والسنة، فوصل للهند، وأخذ عن المباركفوري الإمام المحدث صاحب"تحفة الأحوذي"وعن غيره، ثم استقر في الحرمين بعدما دخلا تحت حكم النجديين آل سعود، وتوطدت علاقته بهم، واطلع على كتب ابن تيمية وابن القيم وغيرهما، وطاف في كثير من البلاد كما فصل ذلك في كتابه"الدعوة إلى الله"، وصنف كتبا عديدة.
ولكما عاد للمغرب اصطدم أولا بابن الصديق، ثم اتفقا على التعاون فيما اتفقا عليه والسكوت عما اختلفا فيه، ولما اختلف السيد الزمزمي مع أخيه حصل تعاون بينه وبين الهلالي.
وقد ترك الهلالي جماعة كبيرة من الأصحاب في العديد من مدن المغرب لا نطيل بذكرهم، وكان فيه حدة زائدة، وتسرع في الحكم على الناس بالكفر والضلال، مع مبالغة في مدح ذوي السلطان لا تجمل بعالم رباني. وقد توفي سنة 1407 غفر الله له ورحمه، ورحم سائر علماء المسلمين.
فهذه فذلكة ذكرتها لأعطي كل ذي حق حقه، وحقها البسط والتفصيل، لكن المقام لا يحتمل، مع انشغال البال، وترادف الأهوال. ومع هذا فإني أقول مع الشاعر المغربي محمد المهدي بن محمد بن الحسن الحجوي رحمه الله: