الوجه الثاني: أننا لو سلمنا لكم ذلك فلا نسلم أن الدليل منحصر في الثلاثة المذكورة، بل هنالك دليل رابع وهو الاستصحاب، وذلك هو عين محل النزاع [1] .
4 -أنه لو كان الأصل البقاء لكانت بينة النفي أولى بالاعتبار من بينة الإثبات، واللازم منتف، أما الملازمة فلأن بينة النفي مؤيدة باستصحاب البراءة الأصلية، فيكون الظن الحاصل بها أقوى، وأما انتفاء اللازم فلأن البينة لا تعتبر من النافي وهو المدعى عليه وتقبل من المثبت وهو المدعي اتفاقًا [2] .
وقد نوقش هذا الدليل بالقول:
إننا لا نسلم لكم ما ذكرتموه من الملازمة، وإنما تصح لو حصل الظن بهما وبتأييد أحدهما بالاستصحاب، وليس كذلك، فإن الظن لا يحصل إلا ببينة المثبت، وذلك لأنه يبعد غلطه بأن يظن المعدوم موجودًا، بخلاف النافي إذ لا يعبد غلطه في ظن الموجود معدومًا بناء على عدم علمه به مع بنائه على استصحاب البراءة.
وله وجوه أخر من الأولوية، وهي: أن المثبت يدعي العلم بالوجود وله في ذلك طرق قطعية، بخلاف النافي، فإن طريقه -وهو عدم العلم- ظني، والنفس إلى دفع غير الملائم أميل منه إلى جلب الملائم، ولذلك يدفع كل غير ملائم، ولا يجلب كل ملائم، فيكون إنكار الحق أكثر من دعوى الباطل، والتجربة دالة على ذلك، فقد عارض الأصل الغلبة وبقي ما ذكرناه سالمًا [3] .
5 -أن القياس -أي قياس الحاضر أو المستقبل- جائز فينتفي ظن بقاء الأصل، أما المقدمة الأولى وهي جواز القياس فظاهرة، وأما الثانية وهي أن جوازه يستلزم ظن بقاء الأصل فلأن القياس رافع لحكم الأصل اتفاقًا، بدليل أنه يثبت به أحكام لولاه لكانت باقية على نفيها، فلا يحصل الظن ببقاء حكم الأصل إلا عند انتفاء قياس يرفعه، ولا سبيل إلى الحكم بذلك الانتفاء لعدم تناهي الأصول التي يمكن القياس عليها، فمن أين للعقلاء الإحاطة بنفيها [4] ؟
(1) انظر شرح العضد 2/ 285.
(2) انظر المصدر السابق 2/ 285.
(3) انظر المصدر السابق 2/ 285.
(4) انظر شرح العضد مع حاشية التفتازاني 2/ 285 - 286.