حقق استصحاب الحال لم يبق خلاف، فإن قول القائل: الأصل يقتضي كذا، فإنما يتمسك به إلى أن يقوم دليل على خلافه، إما أن يريد بالأصل أصل الشرع، أو أصل العقل، فإن أراد العقل فالخصم لا يعترف أن العقل يقتضي حكمًا، ولأن الأحكام العقلية إنما تثبت بدليل عقلي، فلا يستصحب الحال فيها، وإن أراد أصل الشرع فباطل أيضًا، لأن الأحكام الشرعية إنما تثبت بأدلة شرعية، وهذه طريقة أخرى، وقد يقال بالتزام الثاني بدليل شرعي مستقرًا من جزئيات الشريعة في العمل به" [1] ."
وهو اختيار إمام الحرمين (ت 474 هـ) [2] ، وابن السمعاني (ت 489 هـ) [3] ، ورجحه الزركشي (ت 794 هـ) -حيث قال بعد أن نقل الرأي الذي انتهى إليه ابن السمعاني-:"وهذه الطريقة حسنة، وقد سبقه إليها إمام الحرمين، وبه تبين أن الخلاف فيما عدا استصحاب الإجماع لفظي، وبه صرح إمام الحرمين" [4] .
وانتهى إلى أن الخلاف في كافة صوره ما عدا استصحاب حال الإجماع في محل الخلاف لفظي، وأن حكايته في هذا الدليل على وجه العموم عائدة إلى عدم تنقيح محل النزاع [5] .
وتابعه في ذلك الشوكاني (ت 1250 هـ) في كتابه إرشاد الفحول [6] .
وذهب بعض علماء الأصول إلى أن الخلاف في هذه المسألة معنوي.
ومن أبرز هؤلاء: أبو منصور البغدادي (ت 429 هـ) بحسب ما نقله عنه الزركشي (ت 794 هـ) [7] ، وشيخ الإسلام ابن تيميه (ت 728 هـ) ، حيث أشار إلى أن الخلاف في استصحاب نفي التحريم أو الإباحة حقيقي، وذكر أن دعوى الإجماع على نفي الواجبات بالاستصحاب محل نظر [8] .
ويرى الشيخ محمد أبو زهرة (ت 1394 هـ) أن الخلاف لفظي في كافة أقسام الاستصحاب إلا القسم الرابع منه وهو ما سماه:"استصحاب الوصف"، كالحياة بالنسبة للمفقود، فإنها تستمر
(1) انظر المصدر السابق 4/ 334.
(2) انظر البرهان 2/ 164 - 165.
(3) انظر قواطع الأدلة 2/ 35 - 39.
(4) البحر المحيط 4/ 333.
(5) المصدر السابق 4/ 329 - 334.
(6) انظر إرشاد الفحول 238.
(7) انظر البحر المحيط 4/ 334.
(8) انظر المسودة 488.