فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 279

على قلوبهم فلا يعقلون بها شيئا ينفعهم وختم على سمعهم وأبصارهم فلا ينتفعون بها، ولا أغنت عنهم شيئا، فهم غافلون عما يراد بهم.

{لا جَرَمَ} أي: لا بد ولا عجب أن من هذه صفته، {أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} أي: الذين خسروا أنفسهم وأهاليهم يوم القيامة.

وأما قوله: {إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ} فهو استثناء ممن كفر بلسانه ووافق المشركين بلفظه مكرها لما ناله من ضرب وأذى، وقلبه يأبى ما يقول، وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله.

وقد روى العَوفِيّ عن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في عمَّار بن ياسر، حين عذبه المشركون حتى يكفر بمحمد ? فوافقهم على ذلك مُكرَها وجاء معتذرًا إلى النبي ? أنزل الله هذه الآية، وهكذا قال الشعبي، وأبو مالك وقتادة. وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثَور، عن مَعْمَر، عن عبد الكريم الجَزَريّ، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه حتى قاربهم في بعض ما أرادوا، فشكا ذلك إلى النبي ? فقال النبي ?:"كيف تجد قلبك؟"قال: مطمئنا بالإيمان قال النبي ?:"إن عادوا فعد". ورواه البيهقي بأبسط من ذلك، وفيه أنه سب النبي ?وذكر آلهتهم بخير، وأنه قال: يا رسول الله، ما تُركتُ حتى سَببتك وذكرت آلهتهم بخير! قال:"كيف تجد قلبك؟"قال: مطمئنا بالإيمان. فقال:"إن عادوا فعد". وفي ذلك أنزل الله: {إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ} .

ولهذا اتفق العلماء على أنه يجوز أن يُوَالى المكرَه على الكفر، إبقاءً لمهجته، ويجوز له أن يستقتل، كما كان بلال ?يأبى عليهم ذلك وهم يفعلون به الأفاعيل، حتى أنهم ليضعون الصخرة العظيمة على صدره في شدَّة الحر، ويأمرونه أن يشرك بالله فيأبى عليهم وهو يقول: أحَد، أحَد. ويقول: والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها - رضي الله عنه - وأرضاه. وكذلك حبيب بن زيد الأنصاري لما قال له مسيلمة الكذاب: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ فيقول: نعم. فيقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع. فلم يزل يقطعه إرْبًا إرْبًا وهو ثابت على ذلك. وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن عِكْرِمة، أن عليا?حَرَّق ناسا ارتدوا عن الإسلام، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لم أكن لأحرقهم بالنار، إن رسول الله ?:"لا تعذبوا بعذاب الله". وكنت قاتلهم بقول رسول الله ?:"من بدل دينه فاقتلوه"فبلغ ذلك عليا فقال: ويح أم ابن عباس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت