سماه النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذا اليدين، ونقول أيضًا لنا دليل آخر على عدم إمكان وجود أبي هريرة في واقعة ذي اليدين وهذا يقتضي البسط في أوراق ولكني لا أذكره تفصيلًا لضيق المقام وجميع أجزاءها مذكورة عندي بالروايات، فأذكر الدعوى المحضة بأن في حديث الصحيحين في حديث ذي اليدين: «ثم أتى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جذعًا في قبلة المسجد فاستند إليها» إلخ وفي فتح الباري ومسند أحمد: «أن الجذع أسطوانة حنانة» وأما هذه الأسطوانة فقد دفنت قبل إسلام أبي هريرة ودفنت حين وضع المنبر، وأقول: وضع المنبر في السنة الثانية، وعندي روايات كثيرة تبلغ خمسة عشر دالة على وجود المنبر في السنة الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتاسعة، وإسلام أبي هريرة في السنة السابعة اتفاقًا وإذن لا يمكن اجتماع أبي هريرة في قصة ذي اليدين التي فيها الحنانة، وقال الحافظ: وضع المنبر في السنة التاسعة بعد الهجرة وتخالفه روايات كثيرة وقال ابن حبان: وضع في السنة الخامسة ثم أبت على مرامنا وهو النسخ في المدينة، ودليلنا على هذا رواية حديث النسخ من الصحابة الذين هم مدنيون، ولم يثبت مجيئهم مكة قبل الهجرة منهم ما روى زيد بن أرقم في الترمذي كما سيأتي وفيه فنزلت: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] وهذه الآية مدنية اتفاقًا، وتأول فيه ابن حبان: بأن مراد «كنا نتكلم في الصلاة» إلخ أي نحن معشر المسلمين، وكذلك روى معاذ بن جبل في أبي دواد ص (74) نسخ الكلام وهو أيضًا مدني، ومنهم جابر بن عبد الله في أبي داود وهو أيضًا مدني، ثم عمل أبو حنيفة بما هو دأبه أي الأخذ بالضابطة العامة، وإخراج المحامل في الوقائع وواقعة ذي اليدين واقعة حال لا عموم لها، ونقول أيضًا: إن واقعة الباب متقدمة فإن الصحابة ما سبحوا خلفه عليه الصلاة والسلام للفتح، ولم ينكر عليهم
النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فعلم أمره عليه الصلاة والسلام في واقعة ذهابه إلى بني عمرو بن عوف للصلح بينهم متأخر عن واقعة الباب، وإلا فكيف لم يسبحوا للفتح عليه الصلاة والسلام؟ ومما يفيدنا ما أخرجه الطحاوي ص (259) أثر عمر بن خطاب فإنه وقع له مثل واقعة الباب في عهده فأعاد الصلاة مع كونه شاهدًا واقعة ذي اليدين فعلم أنه زعم نسخها، ولما أعاد عمر لم ينكر عليه أحد من الصحابة والتابعين فعلم أن الجمهور موافقون لنا، وأما دليلنا فما أخرجه مسلم ص202 عن معاوية بن الحكم «إن صلاتنا هذه لا تصلح لشيء من الكلام» فالحديث عام ولم يعارضه خاص وعلى أن أكثر العلماء موافق لنا كما سيصرح الترمذي بنفسه بعد هذا الباب، وظني أن البخاري أيضًا موافق لنا فإنه مع إخراجه الحديث في مواضع وكون المسألة مختلفة أشد الخلاف لم يبوب عليها، وبابه على الكلام عام فدل صيغة على هذا المذكور، وإن لم ينبئ به أحد من الحافظين، وبعض الأحناف جعلوا واقعة اليدين مضطربة فيها الأحاديث وما التفت إليه، والاضطراب من وجوه منها ما في الصحيحين عن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام «سلم على ركعتين» وفي حديث عمران بن حصين في مسلم وغيره «أنه سلم على ثلاث ركعات» ثم في الصحيحين أن الواقعة واقعة الظهر، وفي مسلم أنها واقعة العصر، ثم قال أبو هريرة: مرة صلاة الظهر جزمًا، وأخرى صلاة العصر جزمًا، وقال تارة على الشك ثم في موقفه عليه الصلاة والسلام بعد السلام على ركعتين أو