السنة الخامسة، وقام النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في واقعة الباب في المشربة وكان يصلي ثمة ولا يذكر الرواة من كان إمام المسجد النبوي في واقعة الباب، ويدل ما في أبي داود ص (89) وما في مسند أحمد على تعدد الواقعتين في أيام السقوط عن الفرس واقعة صلاته عليه الصلاة والسلام النافلة واقعة صلاته عليه الصلاة والسلام المكتوبة وأمره عليه الصلاة والسلام بالقعود في واقعة المكتوبة وكانوا قائمين في واقعة السبحة. وتمسك الحنابلة بحديث الباب على مذهبهم، وأجاب الأحناف والشوافع بأن حديث الباب منسوخ والناسخ واقعة مرض الموت، وقيل تأويلًا: إن مراد حديث الباب أن يقعدوا في القعدة إذا قعد الإمام فيها وقال ابن دقيق العيد: لو كان المراد ما قالوا لكان حق العبارة إذا قعد فاقعدوا بدون ذكر الصلاة وأيضًا مفسر الحديث واقعة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وأما الجواب الأول فأجاب عنه الحنابلة بأن واقعة مرض الموت ليس بحجة لكم علينا فإن القعود فيه كان طارئًا في خلال الصلاة. ولنا أن نقول: إن ما فصلتم من الفرق بين القعود أولًا والقعود طارئًا هو مزعومكم وليس نص الشارع دالًا عليه، وكنت أزعم يمكن الجواب بأن واقعة الباب لعل واقعة النافلة، وفي النافلة يجوز القيام والقعود، وإذا كان الأمران جائزين في النافلة فالمرغوب القعود لأن فيه تشاكل الإمام والمقتدي، ويؤيده ما في قاضيخان في التراويح أن قيام القوم وقعود الإمام في التراويح غير مرضي، ويطلب القوم إمامًا قادرًا على القيام فدل على مرغوبية التشاكل، ثم رأيت عن ابن قاسم تلميذ مالك أن واقعة الباب واقعة النافلة، وإن أورد ما في أبي داود ومسند أحمد فأقول: إن المذكور فيه أن صلاته عليه الصلاة والسلام كانت مكتوبة لا إن كانت صلاتهم أيضًا كذا بل لعلهم كانوا متنفلين، ولعلهم صلوا أولًا في المسجد النبوي فريضة ثم أتوا عنده عليه الصلاة والسلام
لعيادته، ومن البداهة أن المسجد النبوي لم يكن مهملًا عن الصلاة فيه ولكن هذا المذكور أيضًا احتمال ولا يشفي ما في الصدور، والمسألة طويلة الذيل وعجز الحافظ واستقر في الآخرة على أن المفهوم من ذخيرة الحديث استحباب القعود عند قعود الإمام ولا يخرج الوجوب، وذكر وجهه أن عطاءً روى مرسلًا أنه عليه الصلاة والسلام قال بعد الفراغ عن صلاة واقعة مرض الموت: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما صليتم إلا قعودًا» إلخ فدل على استحباب القعود، أقول: فيه نظر، فإن قوله عليه الصلاة والسلام هذا بعد صلاة السقوط عن الفرس وقرائنه عندي موجودة منها رواية جمع الجوامع للسيوطي، وأما دعوى الحافظ من استحباب القعود فعندي له وجه آخر وهو أن الالتفات الصميم إلى محض ذخيرة الحديث يدل على جواز القيام له وآكدية القعود فإنه عليه الصلاة والسلام قال في واقعة سقوطه عن الفرس في واقعة صلاته المكتوبة: «إنكم اخترتم فعل الفرس بعظمائهم» إلخ أخرجه أبو داود ص (96) . وهو الفعل قيام الدعية وقعود العظيم ثم ذخيرة