قال الطاعنون في القرآن الكريم:
"جاء في سورة الأعراف 7: 56"إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56) ". وكان يجب أن يتبع خبر إن اسمها في التأنيث فيقول: قريبة". ا.هـ.
*** والجواب بتوفيق الله تعالي:
قوله تعالى:"إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ"سورة الأعراف (56)
اشتملت هذه الآية على باب عظيم من أبواب البلاغة تحته أنواع كثيرة .
قال الإمام السيوطي في الإتقان (2/107) :"قال الجوهري: ذُكِّرت - أي الرحمة - علي معني الإحسان"ا.هـ. والمعنى: إحسانُ الله تعالي قريبٌ من المحسنين ، ولهذا قال الله تعالى:"هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60) " ( سورة الرحمن 60 ) ، وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إن الله محسن يحب المحسنين" (1) .
وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إن الله كتب الإحسان علي كل شَيْء" (2) ، أي أمر الله عز وجل بالإحسان في كل شَيْءٍ .
وذكر العلماء أن هذا باب من أبواب بلاغة القرآن العظيمة ، وعرّفوه بأنه"إقامة صيغة مقامَ صيغة أخري"لحكمة عظيمة سبقت الإشارة إليها لأن القرآن كلامُ الله عز وجل الحكيم الخبير .
وفي هذا الباب قال السيوطي (2/103) :"تحته أنواع كثيرة"، ومنها النوع الوارد هنا في آية الأعراف وهو"تذكير المؤنث علي تأويله بمذَكَّر"، وله نظائر في القرآن الكريم ولغة العرب منها قوله تعالي:"فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّه" (سورة البقرة 275) .
فذكَّر الفعل علي معني: من جاءه واعظ أي رسول من ربه أو قرآن من ربه ، والرسول والقرآن مُذَكَّران .
ومنها قوله تعالي:"فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي" ( سورة الأنعام 78 ) فقال"هذا"ولم يقل"هذه"تأدبا ، لأن الإله لا يؤنث . وتأويله في اللغة:"هذا الطالع أو البازغ هو ربي".
وذكر العلامة ابن منظور صاحب لسان العرب أن صيغة"فَعِيل"يوصف به المذكر والمؤنث والواحد والمثني والجمع علي صورة واحدة ، وأورد من لغة العرب ما يشهد لذلك ، واستدل كذلك بهذه الآية الكريمة موضع البحث:"إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ". فراجع لسان العرب (2/438) و الإتقان للعكبري (1/276) . والله أعلم .
ــــــــــــــــ
(1) رواه البيهقي والطبراني في الأوسط عن أنس رضي الله عنه ورجاله ثقات (مجمع الزوائد 5/317) .
(2) رواه مسلم في صحيحه (1955) عن شداد بن أوس رضي الله عنه.