قال أَجْهَلُ الناس باللغة:
"جاء في سورة البقرة 2: 196"فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ". فلماذا لم يقل تلك عشرة مع حذف كلمة كاملة تلافيا لإيضاح الواضح لأنه مَنْ يظن العشرة تسعة ؟"ا.هـ.
*** والجواب بتوفيق الله تعالي:
قول الله تبارك وتعالى:"فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ" ( سورة البقرة آية 196 ) . هذه الآية الكريمة من دلائل إعجاز القرآن وأسراره التي تزيد المؤمن إيمانا .
قال الإمام الزركشي في البرهان في علوم القرآن (4/84) :"التمام من العدد قد علم وإنما بقي احتمال نقص في صفاتها ، ولهذا قال:"كَامِلَةٌ"، ومن هذا قولهم:"رجل كامل"إذا جمع خصال الخير"ا.هـ. ووافقه السيوطي في الإتقان (1/571) .
قلت: ومنه قوله تعالي في آيات الصيام من سورة البقرة (185) :
"وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ"فأمرهم بإكمال الصيام وإحسانه ، والإكمال يتضمن معني زائدا علي الإتمام وهو الإحسان والإتقان ، أي أكملوا الصيام وأحسنوه بالبعد عن المُحَرَّمات وبفعل الطاعات وبإخلاص النيات ، فرب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش ، وفي الحديث القدسي يقول رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ تعالى:"الصيام لي وأنا أجزي به"رواه البخاري في صحيحه ( 1761) عن أبي هريرة رضي الله عنه .
فالناس يتفاوتون في مراتب الصيام . وصيام المسلمين وحَجُّهم غير صيام النصارى الذين يأكلون ويشربون فيه ولا يراعون حرمته ، ولهذا وصف الله عز وجل صيام المسلمين بالكمال وأمرهم بإكماله ، لأن الله عز وجل قد أكمل لهم الدين وأتم عليهم النعمة ورضي لهم الإسلام دينا . قال الله تعالي:"الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا" ( سورة المائدة 3 ) .
وذكر العلماء أسرارًا بديعة من إعجاز القرآن وبيانه في هذه الآية الكريمة فمن شاء راجعها في البرهان للزركشي (2/479-482) فقد ذكر أحد عشر وجها في مناسبة ذكر العشرة الكاملة بعد قوله ثلاثة وسبعة (1) .
ومثله قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ"رواه البخاري (2531) ومسلم (4836) في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه . و هذا من أسرار القرآن البديعة التي تزيد المؤمن إيمانًا ، قال الله تعالي:"وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا"إلي قوله تعالي:"وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا" ( سورة المدثر 31 ) . والله أعلى وأعلم .
ــــــــــــــــــــ
(1) وانظر تفسير الطبري (2/254) وأحكام القرآن لابن العربي (1/372-374) .