قال الظالمون:
"جاء في سورة التوبة 9: 62"وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ". فلماذا لم يثن الضمير العائد علي الاثنين ، اسم الجلالة ورسوله ، فيقول أن يرضوهما ؟"ا.هـ.
*** والجواب بتوفيق الله تعالي:
قول الله تعالى:"وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ" ( سورة التوبة 62 ) . قال السيوطي في الإتقان (1/549) :"قد يُذْكَرُ شيئان ويعادُ الضمير إلي أحدهما ، والغالب كونه الثاني نحو:"وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ" ( سورة البقرة 45 ) فأعيد الضمير للصلاة ، وقوله تعالي:"جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ " (سورة يونس 5 ) أي قدَّر القمر منازل لأنه الذي يُعْلَمُ به الشهور ، وقوله تعالي:"وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ"أراد يرضوهما فأفرد لأن الرسولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو داعي العباد والمُخَاطِبُ لهم شفاها ، ويلزم من رضاه رضا ربِّه تعالي " ا. هـ بنحوه .
وقال الزركشي في البرهان (3/127 - 128) :"قيل إنما أفرد الضمير لئلا يجمع بين اسم الله ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ضمير واحد كما جاء في الحديث:"بئس خطيب القوم أنتَ ، قل: ومَنْ يَعْصِ اللهَ ورسولَهُ" ( 1 ) . قال الزمخشري:"قد يقصدون ذكر الشيء فيذكرون قبله ما هو سبب منه ثم يعطفونه عليه مضافا إلي ضميره وليس لهم قصد إلي الأول ،كقوله:"سَرَّنِي زيد وحسن حاله"والمراد حسن حاله ، وفائدة هذا الدلالة علي قوة الاختصاص بذكر المعني: ورسول الله أحق أن يرضوه ، ويَدُلُّ عليه ما تقدمه من قوله:"الذين يؤذون رسول الله"، ولهذا وَحَّدَ الضمير ولم يُثَنِّ. ا. هـ.
وذكر السيوطي في الإتقان (2/103-104) : من أساليب القرآن الكريم إقامة صيغة مقام أخري ، قال:"وتحته أنواع كثيرة". فذكر منها إطلاق واحد من المفرد والمثني والجمع علي آخر منها ، مثال إطلاق المفرد علي المثني:"وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إن كانوا مؤمنين"أي يرضوهما ، فأفرد لتلازم الرضَاْءَيْنِ"ا. هـ."
وقال الطبري في تفسيره (11/86) :"اكتفي بذكر أحدهما عن الآخر كما قال الشاعر:"
رماني بأمر كنت منه ووالدي * بريًّا ومن فوق الطوي رماني"ا. هـ."
ومنه قوله تعالي:"وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ" ( سورة التوبة 34 ) ، وقوله:"وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا" (سورة الجمعة 11 ) ، وقوله تعالي:"وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ" ( سورة البقرة 45 ) .
قال القرطبي (1/373 - 374) : " فَرَدَّ الكنايةَ إلي الفضة لأنها الأغلب والأعم ، وإلي التجارة لأنها الأفضل والأهم . وقيل إن الصبر لما كان داخلا في الصلاة أعاد عليها ، كما قال:"وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ"ولم يقل: " يرضوهما"، لأن رضا الرسول عليه الصلاة والسلام داخل في رضا الله عز وجل . ومنه قول الشاعر [ هو حسان بن ثابت رضي الله عنه ] :"
إِنَّ شَرخَ الشَبابِ وَالشَعَرَ الأَسْـ * وَدَ ما لَم يُعاصَ كانَ جُنونا
ولم يقل يعاصَيَا ، ردَّ إلي الشباب لأن الشعر الأسود داخل فيه"ا. هـ. بنحوه."
وقال رحمه الله تعالي (7/387) في قوله تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ" (سورة الأنفال 20 ) ، قال: " عنه"ولم يقل:"عنهما " لأن طاعة الرسول صلي الله عليه وسلم طاعة لله ، وهو كقوله تعالي:"وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ"ا.هـ.
وقال رحمه الله تعالي (8/193 - 194) :"وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ"ابتداء وخبر ، ومذهب سيبويه أن التقدير:"واللهُ أحقُّ أن يُرْضُوه ورسوله"علي التقديم والتأخير ، ثم ذكر قولا آخر ، ثم قال: قال النحاس: قول سيبويه أَولاها". ا. هـ. والله أعلم ."
ـــــــــــــ
( 1 ) الحديث رواه مُسْلِمٌ في صحيحه ( 3 / 12 ـ 13 ) عن عَدِيِّ بن حاتم رضي الله عنه .