وقال طاووس والشافعي: الإطعام والدم لا يكونان إلا بمكة، والصوم حيث شاء، لأن الصيام لا منفعة فيه لأهل الحرم. وقد قال الله سبحانه (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ) رِفقًا لمساكين جيران بيته، فالإطعام فيه منفعة بخلاف الصيام. والله أعلم.
وقال مالك: يفعل ذلك أين شاء. وهو الصحيح من القول، وهو قول مجاهد. والذبح هنا عند مالك نُسُك وليس بهدي لِنَصّ القرآن والسنة، والنُّسك يكون حيث شاء، والهدي لا يكون إلا بمكة، ومن حُجّته أيضا ما رواه عن يحيى بن سعيد في موطئه، وفيه: فأمَرَ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه برأسه - يعني رأس حسين - فَحُلِق، ثم نَسَك عنه بالسّقيا، فنحر عنه بعيرا. قال مالك: قال يحيى بن سعيد: وكان حسين خَرَج مع عثمان في سفره ذلك إلى مكة.
ففي هذا أوضح دليل على أن فدية الأذى جائز أن تكون بغير مكة.
وجائز عند مالك في الهدي إذا نُحِرَ في الحرم أن يُعْطَاه غير أهل الحرم، لأن البُغية فيه إطعام مساكين المسلمين.
قال مالك: ولما جاز الصوم أن يُؤتى به بغير الحرم جاز إطعام غير أهل الحرم.
ثم أن قوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا) الآية. أوضح الدلالة على ما قلناه، فإنه تعالى لما قال: (فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) لم يَقُل في موضع دون موضع، فالظاهر أنه حيثما فعل أجزأه.
وقال: (أَوْ نُسُكٍ) فَسَمّى ما يُذبح نُسُكًا، وقد سَمّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك، ولم يُسَمِّه هَديًا، فلا يلزمنا أن نَرُدّه قياسا على الهدي، ولا أن نعتبره بالهدي مع ما جاء في ذلك عن عليّ.
وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمَرَ كَعْبًا بالفدية ما كان في الحرم، فَصَحّ أن ذلك كله يكون خارج الحرم. وقد رُوي عن الشافعي مثل هذا في وجه بعيد. اهـ.
وبِنحو هذا قال ابن عبد البر في الاستذكار.
وهذه أدلة قوية على أن الإطعام أو الدم إذا كان دم جُبران، فإنه لا يَجب أن يكون بِمكّة.
إذ الوجوب مُتوقّف على الدليل، ولا دليل خاص في المسألة.
والأدلة والتعليلات التي ذكروها قوية جدا.
وإلزام الناس بأمرٍ تَعبّدي ليس فيه دليل صحيح صريح فيه مَشَقّة على الناس، وإيجاب ما ليس بِواجِب.
12= نَصّ العلماء على أن كفارة الأذى لا بُدّ فيها من تمليك المساكين.