وقَد اختَلَفَ تَعلِيل المالِكِيَّة بِكَراهَةِ قِراءَة السَّجدَة فِي الصَّلاة،فَقِيلَ لِكَونِها تَشتَمِل عَلَى زِيادَة سُجُود فِي الفَرض،قالَ القُرطُبِيّ: وهُو تَعلِيل فاسِد بِشَهادَةِ هَذا الحَدِيث.وقِيلَ لِخَشيَةِ التَّخلِيط عَلَى المُصَلِّينَ،ومِن ثَمَّ فَرَّقَ بَعضهم بَين الجَهرِيَّة والسَّرِيَّة لأَنَّ الجَهرِيَّة يُؤمَن مَعَها التَّخلِيطُ،لَكِن صَحَّ مِن حَدِيث ابن عُمَر أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - قَرَأَ سُورَة فِيها سَجدَة فِي صَلاة الظُّهر فَسَجَدَ بِهِم فِيها.
أَخرَجَهُ أَبُو داوُدَ والحاكِم،فَبَطَلَت التَّفرِقَة.ومِنهُم مَن عَلَّلَ الكَراهَة بِخَشيَةِ اعتِقاد العَوامّ أَنَّها فَرض،قالَ ابن دَقِيق العِيد: أَمّا القَول بِالكَراهَةِ مُطلَقًا فَيَأباهُ الحَدِيث،لَكِن إِذا انتَهَى الحال إِلَى وُقُوع هَذِهِ المَفسَدَة فَيَنبَغِي أَن تُترَك أَحيانًا لِتَندَفِع،فَإِنَّ المُستَحَبّ قَد يُترَك لِدَفعِ المَفسَدَة المُتَوقَّعَة،وهُو يَحصُل بِالتَّركِ فِي بَعض الأَوقات. انتهى وإِلَى ذَلِكَ أَشارَ ابن العَرَبِيّ بِقَولِهِ: يَنبَغِي أَن يُفعَل ذَلِكَ فِي الأَغلَب لِلقُدرَةِ،ويُقطَع أَحيانًا لِئَلاَّ تَظُنّهُ العامَّة سُنَّة. انتهى وهَذا عَلَى قاعِدَتهم فِي التَّفرِقَة بَين السُّنَّة والمُستَحَبّ.
وقالَ صاحِب المُحِيط مِنَ الحَنَفِيَّة: يُستَحَبّ قِراءَة هاتَينِ السُّورَتَينِ فِي صُبح يَوم الجُمُعَة بِشَرطِ أَن يَقرَأ غَير ذَلِكَ أَحيانًا لِئَلاَّ يَظُنّ الجاهِل أَنَّهُ لا يُجزِئ غَيره.
وأَمّا صاحِب الهِدايَة مِنهُم فَذَكَرَ أَنَّ عِلَّة الكَراهَة هِجران الباقِي وإِيهام التَّفضِيل.
وقَول الطَّحاوِيّ يُناسِب قَول صاحِب المُحِيط،فَإِنَّهُ خَصَّ الكَراهَة بِمَن يَراهُ حَتمًا لا يُجزِئ غَيره أَو يَرَى القِراءَة بِغَيرِهِ مَكرُوهَة.
"فائِدَتانِ": الأُولَى: لَم أَرَ فِي شَيء مِنَ الطُّرُق التَّصرِيحَ بِأَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - سَجَدَ لَمّا قَرَأَ سُورَة تَنزِيل السَّجدَة فِي هَذا المَحَلّ إِلاَّ فِي كِتاب الشَّرِيعَة لابنِ أَبِي داوُدَ مِن طَرِيق أُخرَى عَن سَعِيد بن جُبَير عَن ابنِ عَبّاسٍ قالَ:"غَدَوت عَلَى النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يَوم الجُمُعَة فِي صَلاة الفَجر فَقَرَأَ سُورَة فِيها سَجدَة فَسَجَدَ..."الحَدِيثَ.وفِي إِسناده مَن يُنظَر فِي حاله.
ولِلطَّبَرانِيِّ فِي الصَّغِير مِن حَدِيث عَلِيّ"أَنَّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - سَجَدَ فِي صَلاة الصُّبح فِي تَنزِيل السَّجدَة"لَكِن فِي إِسناده ضَعف.
الثّانِيَة: قِيلَ الحِكمَة فِي اختِصاص يَوم الجُمُعَة بِقِراءَةِ سُورَة السَّجدَة قَصد السُّجُود الزّائِد حَتَّى أَنَّهُ يُستَحَبّ لِمَن لَم يَقرَأ هَذِهِ السُّورَة بِعَينِها أَن يَقرَأ سُورَة غَيرها فِيها سَجدَة،وقَد