وقَد أَشارَ أَبُو الولِيد الباجِيّ فِي رِجال البُخارِيّ إِلَى الطَّعن فِي سَعد بن إِبراهِيم لِرِوايَتِهِ لِهَذا الحَدِيث،وأَنَّ مالِكًا امتَنَعَ مِنَ الرِّوايَة عَنهُ لأَجلِهِ،وأَنَّ النّاس تَرَكُوا العَمَل بِهِ لاسِيَّما أَهل المَدِينَة. انتهى ولَيسَ كَما قالَ،فَإِنَّ سَعدًا لَم يَنفَرِد بِهِ مُطلَقًا،فَقَد أَخرَجَهُ مُسلِم مِن طَرِيق سَعِيد بن جُبَير عَن ابنِ عَبّاسٍ مِثله.وكَذا ابن ماجَةَ والطَّبَرانِيُّ مِن حَدِيث ابن مَسعُود،وابن ماجَةَ مِن حَدِيث سَعد بن أَبِي وقّاص،والطَّبَرانِيُّ فِي الأَوسَط مِن حَدِيث عَلِيّ.
وأَمّا دَعواهُ أَنَّ النّاس تَرَكُوا العَمَل بِهِ فَباطِلَة،لأَنَّ أَكثَر أَهل العِلم مِنَ الصَّحابَة والتّابِعِينَ قَد قالُوا بِهِ كَما نَقَلَهُ ابن المُنذِرِ وغَيره،حَتَّى إِنَّهُ ثابِتٌ عَن إِبراهِيم بن عَبد الرَّحمَن بن عَوف والِد سَعد وهُو مِن كِبار التّابِعِينَ مِن أَهل المَدِينَة أَنَّهُ أَمَّ النّاس بِالمَدِينَةِ بِهِما فِي الفَجر يَوم الجُمُعَة.أَخرَجَهُ ابن أَبِي شَيبَة بِإِسنادٍ صَحِيحٍ. فعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ،قَالَ: أَمَّنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ،فَصَلَّيْتُ وَرَاءَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ صَلاَةَ الْغَدَاةِ،فَقَرَأَ: {الم تَنْزِيلُ} وَ {هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَاْن} [1] .
وكَلام ابن العَرَبِيّ يُشعِر بِأَنَّ تَرك ذَلِكَ أَمر طَرَأَ عَلَى أَهل المَدِينَة لأَنَّهُ قالَ: وهُو أَمر لَم يُعلَم بِالمَدِينَةِ،فالله أَعلَم بِمَن قَطَعَهُ كَما قَطَعَ غَيره. انتهى وأَمّا امتِناع مالِك مِنَ الرِّوايَة عَن سَعد فَلَيسَ لأَجلِ هَذا الحَدِيث،بَل لِكَونِهِ طَعَنَ فِي نَسَب مالِك،كَذا حَكاهُ ابن البَرقِيّ عَن يَحيَى بن مَعِين،وحَكَى أَبُو حاتِم عَنْ عَلِيِّ بنِ عَبْدِ اللهِ،قَالَ: كَانَ سَعْدُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ لاَ يُحَدِّثُ بِالمَدِيْنَةِ،فَلِذَلِكَ لَمْ يَكْتُبْ عَنْهُ أَهْلُهَا،وَمَالِكٌ لَمْ يُكْتَبْ عَنْهُ،وَإِنَّمَا سَمِعَ مِنْهُ: شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ بِوَاسِطَ،وَابْنُ عُيَيْنَةَ بِمَكَّةَ [2] .
وقالَ السّاجِيُّ: أَجمَع أَهل العِلم عَلَى صِدقه [3] .وقَد رَوى مالِك عَن عَبد الله بن إِدرِيس عَن شُعبَة عَنهُ،فَصَحَّ أَنَّهُ حُجَّة بِاتِّفاقِهِم.قالَ: ومالِك إِنَّما لَم يَروِ عَنهُ لِمَعنًى مَعرُوف،فَأَمّا أَن يَكُون تَكَلَّمَ فِيهِ فَلا أَحفَظ ذَلِكَ. انتهى.
(1) - مصنف ابن أبي شيبة - (2 / 141) (5491) صحيح
(2) -الجرح والتعديل لابن أبي حاتم - (4 / 79) وتهذيب الكمال للمزي - (10 / 244) وسير أعلام النبلاء [ مشكول + موافق للمطبوع ] - (5/419)
(3) - تهذيب التهذيب - (3 / 403)