صيامه تبعًا،وعلى هذا يحمل ما رواه الإِمام أحمد رحمه الله في"مسنده"والنسائي،والترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَلَّمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُفْطِرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. [1] .
فإن صحّ هذا،تعين حمله على أنه كان يدخل في صيامه تبعًا،لا أنه كان يُفرده لصحة النهي عنه.وأين أحاديثُ النهي الثابتة في"الصحيحين"،من حديث الجواز الذي لم يروه أحد من أهل الصحيح،وقد حكم الترمذي بغرابته،فكيف تعارض به الأحاديث الصحيحة الصريحة،ثم يُقدم عليها؟!
والمأخذ الثالث: سد الذريعة من أن يُلحق بالدِّين ما ليس فيه،ويُوجب التشبه بأهل الكتاب في تخصيص بعض الأيام بالتجرد عن الأعمال الدنيوية،وينضم إلى هذا المعنى: أن هذا اليوم لما كان ظاهرَ الفضل على الأيام،كان الداعي إلى صومه قوياَ،فهو في مَظِنّةِ تتابع الناس في صومه،واحتفالِهم به ما لا يحتفلون بصوم يومٍ غيره،وفي ذلك إلحاق بالشرع ما ليس منه.ولهذا المعنى -والله أعلم - نهي عن تخصيص ليلةِ الجمعة بالقيام من بين الليالي،لأنها من أفضل الليالي،حتى فضَّلها بعضهم على ليلة القدر،وحكيت رواية عن أحمد،فهي في مَظِنَّةِ تخصيصها بالعبادة،فحسم الشارعُ الذريعة،وسدَّها بالنهي عن تخصيصها بالقيام.والله أعلم.
فإن قيل: ما تقولون في تخصيص يوم غيره بالصيام؟ قيل: أما تخصيص ما خصصه الشارع،كيوم الاثنين،ويوم عرفة،ويوم عاشوراء،فسُنَّةٌ،وأما تخصيصُ غيره،كيوم السبت،والثلاثاء،والأحد،والأربعاء،فمكروه.وما كان منها أقربَ إلى التشبه بالكفار لتخصيص أيام أعيادهم بالتعظيم والصيام،فأشد كراهةً،وأقربُ إلى التحريم.""
رأي الإمام ابن حزم بصوم يوم الجمعة [2] :
قال رحمه الله:"مَسْأَلَةٌ: وَلا يَحِلُّ صَوْمُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ إلا لِمَنْ صَامَ يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ فَلَوْ نَذَرَهُ إنْسَانٌ كَانَ نَذْرُهُ بَاطِلا،فَلَوْ كَانَ إنْسَانٌ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا فَجَاءَهُ صَوْمُهُ فِي الْجُمُعَةِ فَلْيَصُمْهُ."
(1) - سنن ابن ماجه- المكنز - (1796 ) صحيح
(2) - المحلى [مشكول و بالحواشي] - (4 / 313) مَسْأَلَةٌ صَوْمُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ( 795 )