فهرس الكتاب
له بلعام وكان يعلم اسم الله الأكبر، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيره من علماء السلف: كان مجاب الدعوة ولا يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه، وأغرب بل أبعد بل أخطأ من قال: كان قد أوتي النبوة فانسلخ منها، حكاه ابن جرير عن بعضهم ولا يصح، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لما نزل موسى بهم يعني بالجبارين ومن معه أتاه - يعني بلعم - أتاه بنو عمه وقومه فقالوا: أن موسى رجل حديد ومعه جنود كثيرة وإنه أن يظهر علينا يهلكنا فادع الله أن يرد عنا موسى ومن معه، قال: إني أن دعوت الله أن يرد موسى ومن معه ذهبت دنياي وآخرتي، فلم يزالوا به حتى دعا عليهم فسلخه الله ما كان عليه، فذلك قوله تعالى: {فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ} الآية. وقال السدي: لما انقضت الأربعون سنة التي قال الله {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً} بعث يوشع بن نون نبيًا فدعا بني إسرائيل فأخبرهم أنه نبي وأن الله أمره أن يقاتل الجبارين فبايعوه وصدقوه، وانطلق رجل من بني إسرائيل يقال له بلعام فكان عالمًا يعلم الاسم الأعظم المكتوم فكفر - لعنه الله - وأتى الجبارين وقال لهم: لا ترهبوا بني إسرائيل فإني إذا خرجتم تقاتلونهم أدعو عليهم دعوة فيهلكون وكان عندهم فيما شاء من الدنيا غير أنه كان لا يستطيع أن يأتي النساء لعظمهن فكان ينكح أتانًا له وهو الذي قال الله تعالى: {فَانْسَلَخَ مِنْهَا} وقوله تعالى: {فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ} أي استحوذ عليه وعلى أمره فمهما أمره امتثل وأطاعه ولهذا قال: { فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ} أي من الهالكين الحائرين البائرين وقد ورد في معنى هذه الآية حديث رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده حيث قال حدثنا محمد بن مرزوق حدثنا محمد بن بكر عن الصلت بن بهرام حدثنا الحسن حدثنا جندب البجلي في هذا المسجد أن حذيفة يعني ابن اليمان رضي الله عنه حدثه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن مما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن حتى إذا رؤيت بهجته عليه وكان رداؤه الإسلام اعتراه إلى ما شاء الله انسلخ منه ونبذه وراء ظهره وسعى على جاره بالسيف ورماه بالشرك"قال قلت يا نبي الله أيهما أولى بالشرك المرمي أو الرامي ؟ قال:"بل الرامي"إسناد جيد والصلت بن بهرام كان من ثقات الكوفيين ولم يرم بشيء سوى الإرجاء وقد وثقه الإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما.
وقوله تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} يقول تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا} أي لرفعناه من التدنس عن قاذورات الدنيا بالآيات التي آتيناه إياها {وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ} أي مال إلى زينة الحياة الدنيا وزهرتها وأقبل على لذاتها ونعيمها وغرته كما غرت غيره من غير أولي البصائر والنهى، وقال أبو الراهويه في قوله تعالى: {وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ} قال: تراءى له الشيطان على علوة من قنطرة بانياس، فسجدت الحمارة لله وسجد بلعام للشيطان، وكذا قال عبد الرحمن بن جبير بن نفير وغير واحد، وقال الإمام أبو جعفر ابن جرير رحمه الله: وكان من قصة هذا الرجل ما حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر عن أبيه أنه سئل عن هذه الآية {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا} فحدث عن سيار أنه كان رجلًا يقال له بلعام وكان مجاب الدعوة، قال: وإن موسى أقبل في بني إسرائيل يريد الأرض التي فيها بلعام أو قال: الشام قال: فرعب الناس منه رعبًا شديدًا فأتوا بلعام فقالوا: ادع الله على هذا الرجل وجيشه، قال حتى أؤامر ربي أو حتى أؤامر، قال فآمر في الدعاء عليهم فقيل له لا تدع عليهم فإنهم عبادي وفيهم نبيهم، قال: فقال لقومه إني قد آمرت ربي في الدعاء عليهم وإني قد نهيت فأهدوا له هدية فقبلها ثم راجعوه فقالوا: ادع عليهم فقال: حتى أمؤامر ربي فأمر فلم يأمره بشيء فقال: قد وأمرت فلم يأمرني بشيء فقالوا: لو كره ربك أن تدعو عليهم لنهاك كما نهاك المرة الأولى، قال: فأخذ يدعو عليهم فإذا دعا عليهم جرى على لسانه الدعاء على قومه، وإذا أراد أن يدعو أن يفتح لقومه دعا أن يفتح لموسى