بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
{هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}
مقدمة تفسير سورة الإنسان قد تقدم في صحيح مسلم 879 عن بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة { ألم تَنْزِيلُ} السجدة و { هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ } وقال عبد الله بن وهب أخبرنا بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه السورة { هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ } وقد أنزلت عليه وعنده رجل أسود فلما بلغ صفة الجنان زفر زفرة فخرجت نفسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"أخرج نفس صاحبكم -أو قال: أخيكم- الشوق إلى الجنة"مرسل غريب.
يقول تعالى مخبرا عن الإنسان أنه أوجده بعد أن لم يكن شيئا يذكر لحقارته وضعفه فقال تعالى { هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ} ثم بين ذلك فقال جل جلاله { إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ } أي أخلاط والمشج والمشيج الشيء المختلط بعضه في بعض قال بن عباس في قوله تعالى { مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ } يعني ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا واختلطا ثم ينتقل بعد من طور إلى طور وحال إلى حال ولون إلى لون وهكذا قال عكرمة ومجاهد والحسن والربيع بن أنس الأمشاج هو اختلاط ماء الرجل بماء المرأة وقوله تعالى { نَبْتَلِيهِ } أي نختبره كقوله جل جلاله { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } { فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا } أي جعلنا له سمعا وبصرا يتمكن بهما من الطاعة والمعصية وقوله جل وعلا { إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ } أي بيناه له ووضحناه وبصرناه به كقوله جل وعلا { وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى } وكقوله جل وعلا { وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} أي بينا له طريق الخير وطريق الشر وهذا قول عكرمة وعطية وبن زيد ومجاهد في المشهور عنه والجمهور وروي عن مجاهد وأبي صالح والضحاك والسدي أنهم قالوا في قوله تعالى { إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ } يعني خروجه من الرحم وهذا قول غريب والصحيح المشهور الأول وقوله تعالى { إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا } منصوب على الحال من الهاء في قوله { إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ } تقديره فهو في ذلك إما شقي وإما سعيد كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي مالك الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كل الناس يغدو فبائع نفسه فموبقها أو معتقها".
وقد تقدم في سورة الروم عند قوله جل جلاله { فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا } من رواية جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه إما شاكرا وإما كفورا"وقال الإمام أحمد حدثنا أبو عامر حدثنا عبد الله بن جعفر عن عثمان بن محمد عن المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ما من خارج يخرج إلا ببابه رايتان راية بيد ملك وراية بيد شيطان فإن خرج لما يحب الله اتبعه الملك برايته فلم يزل تحت راية الملك حتى يرجع إلى بيته وإن خرج لما يسخط الله اتبعه الشيطان برايته فلم يزل تحت راية الشيطان حتى يرجع إلى بيته"وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن بن خثيم عن عبد الرحمن بن سابط عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة:"أعاذك الله من إمارة السفهاء". قال وما إمارة السفهاء؟ قال:"أمراء يكونون بعدي لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فأولئك ليسوا مني ولست منهم ولا يردون علي حوضي ومن لم يعنهم على ظلمهم"