بِسْمِ اللّهِ الرّحْمنِ الرّحِيمِ
{لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلاَ أُقْسِمُ بِالنّفْسِ اللّوّامَةِ أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلّن نّجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَىَ قَادِرِينَ عَلَىَ أَن نّسَوّيَ بَنَانَهُ بَلْ يُرِيدُ الإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ يَسْأَلُ أَيّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ وَخَسَفَ الْقَمَرُ وَجُمِعَ الشّمْسُ وَالْقَمَرُ يَقُولُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرّ كَلاّ لاَ وَزَرَ إِلَىَ رَبّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرّ يُنَبّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذِ بِمَا قَدّمَ وَأَخّرَ بَلِ الإِنسَانُ عَلَىَ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَىَ مَعَاذِيرَهُ}
قد تقدم غير مرة أن المقسم عليه إذا كان منتفيًا جاز الإتيان بلا قبل القسم لتأكيد النفي. والمقسم عليه ههنا هو إثبات المعاد والرد على ما يزعمه الجهلة من العباد ومن عدم بعث الأجساد، ولهذا قال تعالى: { لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ } قال الحسن: أقسم بيوم القيامة ولم يقسم بالنفس اللوامة، وقال قتادة: بل أقسم بهما جميعًا، هكذا حكاه ابن أبي حاتم: وقد حكى ابن جرير عن الحسن والأعرج أنهما قرءا {لأقسم بيوم القيامة} وهذا يوجه قول الحسن لأنه أثبت القسم بيوم القيامة ونفى القسم بالنفس اللوامة، والصحيح أنه أقسم بهما جميعًا كما قاله قتادة رحمه الله، وهو المروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير، واختاره ابن جرير، فأما يوم القيامة فمعروف وأما النفس اللوامة فقال قرة بن خالد عن الحسن البصري في هذه الآية: إن المؤمن والله ما نراه إلا يلوم نفسه. ما أردت بكلمتي، ما أردت بأكلتي، ما أردت بحديث نفسي، وإن الفاجر يمضي قدمًا ما يعاتب نفسه، وقال جويبر: بلغنا عن الحسن أنه قال في قوله: { وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ } قال: ليس أحد من أهل السموات والأرضين إلا يلوم نفسه يوم القيامة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن صالح بن مسلم عن إسرائيل عن سماك أنه سأل عكرمة عن قوله: { وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ } قال: يلوم على الخير والشر لو فعلت كذا وكذا، ورواه ابن جرير عن أبي كريب عن وكيع عن إسرائيل به، وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان عن ابن جريج عن الحسن بن مسلم عن سعيد بن جبير في قوله: { وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ } قال: تلوم على الخير والشر، ثم رواه من وجه آخر عن سعيد أنه سأل ابن عباس عن ذلك فقال: هي النفس اللؤوم، وقال علي بن أبي نجيح عن مجاهد تندم على ما فات وتلوم عليه، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: اللوامة المذمومة، وقال قتادة { اللَّوَّامَةِ } الفاجرة. وقال ابن جرير: وكل هذه الأقوال متقاربة بالمعنى والأشبه بظاهر التنزيل أنها التي تلوم صاحبها على الخير والشر وتندم على ما فات.
وقوله تعالى: { أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ } أي يوم القيامة أيظن أنا لا نقدر على إعادة عظامه وجمعها من أماكنها المتفرقة { بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ } وقال سعيد بن جبير والعوفي عن ابن عباس: أن نجعله خفًا أو حافرًا، وكذا قال مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك وابن جرير، ووجهه