وهي مكية
وقد روى محمد بن إسحاق في السيرة من حديث أم سلمة, وأحمد بن حنبل عن ابن مسعود في قصة الهجرة إلى أرض الحبشة من مكة أن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قرأ صدر هذه السورة على النجاشي وأصحابه.
بِسْمِ اللّهِ الرّحْمنِ الرّحِيمِ
{كَهيعَصَ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّآ إِذْ نَادَىَ رَبّهُ نِدَآءً خَفِيًّا قَالَ رَبّ إِنّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنّي وَاشْتَعَلَ الرّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبّ شَقِيًّا وَإِنّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَآئِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لّدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبّ رَضِيًّا}
أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة, وقوله {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبّكَ} أي هذا ذكر رحمة الله بعبده زكريا, وقرأ يحيى بن يعمر {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّآ} وزكريا يمد ويقصر, قراءتان مشهورتان وكان نبيًا عظيمًا من أنبياء بني إسرائيل, وفي صحيح البخاري أنه كان نجارًا يأكل من عمل يده في النجارة. وقوله {إِذْ نَادَىَ رَبّهُ نِدَآءً خَفِيًّا} قال بعض المفسرين: إنما أخفى دعاءه لئلا ينسب في طلب الولد إلى الرعونة لكبره, حكاه الماوردي وقال آخرون: إنما أخفاه لأنه أحب إلى الله, كما قال قتادة في هذه الآية {إِذْ نَادَىَ رَبّهُ نِدَآءً خَفِيًّا} إن الله يعلم القلب التقي, ويسمع الصوت الخفي, وقال بعض السلف: قام من الليل عليه السلام وقد نام أصحابه, فجعل يهتف بربه يقول خفية: يا رب, يا رب, يا رب, فقال الله له: لبيك لبيك لبيك {قَالَ رَبّ إِنّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنّي} أي ضعفت وخارت القوى {وَاشْتَعَلَ الرّأْسُ شَيْبًا} , أي اضطرم المشيب في السواد, كما قال ابن دريد في مقصورته:
أما ترى رأسي حاكى لونه ... طرة صبح تحت أذيال الدجى
واشتعل المبيض في مسودة ... مثل اشتعال النار في جمر الغضا
والمراد من هذا الإخبار عن الضعف والكبر ودلائله الظاهرة والباطنة. وقوله {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبّ شَقِيًّا} أي ولم أعهد منك إلا الإجابة في الدعاء, ولم تردني قط فيما سألتك وقوله {وَإِنّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَآئِي} قرأ الأكثرون بنصب الياء من الموالي على أنه مفعول, وعن الكسائي أنه سكن الياء, كما قال الشاعر:
كأن أيديهن في القاع القرق ... أيدي جوار يتعاطين الورق
وقال الآخر:
فتى لو يباري الشمس ألقت قناعها ... أو القمر الساري لألقى المقالدا
ومنه قول أبي تمام حبيب بن أوس الطائي:
تغاير الشعر منه إذ سهرت له ... حتى ظننت قوافيه ستقتتل