وقال مجاهد وقتادة والسدي: أراد بالموالي العصبة. وقال أبو صالح: الكلالة. وروي عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه كان يقرؤها {وَإِنّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَآئِي} بتشديد الفاء بمعنى قلت عصباتي من بعدي, وعلى القراءة الأولى وجه خوفه أنه خشي أن يتصرفوا من بعده في الناس تصرفًا سيئًا, فسأل الله ولدًا يكون نبيًا من بعده ليسوسهم بنبوته ما يوحي إليه, فأجيب في ذلك لا أنه خشي من وراثتهم له ماله, فإن النبي أعظم منزلة وأجل قدرًا من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حده, وأن يأنف من وراثة عصباته له ويسأل أن يكون له ولد ليحوز ميراثه دونهم هذا وجه.
(الثاني) أنه لم يذكر أنه كان ذا مال بل كان نجارًا يأكل من كسب يديه, ومثل هذا لا يجمع مالًا ولا سيما الأنبياء, فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا.
(الثالث) أنه قد ثبت في الصحيحين من غير وجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا نورث, ما تركنا فهو صدقة"وفي رواية عند الترمذي بإسناد صحيح"نحن معشر الأنبياء لا نورث", وعلى هذا فتعين حمل قوله {فَهَبْ لِي مِن لّدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي} على ميراث النبوة, ولهذا قال {وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} كقوله {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ} أي في النبوة إذ لو كان في المال لما خصه من بين إخوته بذلك, ولما كان في الإخبار بذلك كبير فائدة, إذ من المعلوم المستقر في جميع الشرائع والملل أن الولد يرث أباه, فلولا أنها وراثة خاصة لما أخبر بها, وكل هذا يقرره ويثبته ما صح في الحديث"نحن معاشر الأنبياء لا نورث, ما تركنا فهو صدقة".
قال مجاهد في قوله {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} كان وراثته علمًا, وكان زكريا من ذرية يعقوب, وقال هشيم: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح في قوله {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} قال: ويكون نبيًا كما كانت آباؤه أنبياء, وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة, عن الحسن يرث نبوته وعلمه, وقال السدي: يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب. وعن مالك عن زيد بن أسلم {وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} قال نبوتهم. وقال جابر بن نوح ويزيد بن هارون كلاهما عن إسماعيل بن أبي خالد, عن أبي صالح في قوله {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} قال: يرث مالي ويرث من آل يعقوب النبوة, وهذا اختيار ابن جرير في تفسيره.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"يرحم الله زكريا وما كان عليه من وراثة ماله, ويرحم الله لوطًا إن كان ليأوي إلى ركن شديد". وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب, حدثنا جابر بن نوح عن مبارك هو ابن فضالة, عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"رحم الله أخي زكريا ما كان عليه من وراثة ماله حين قال: هب لي من لدنك وليًا يرثني ويرث من آل يعقوب"وهذه مرسلات لا تعارض الصحاح, والله أعلم. وقوله {وَاجْعَلْهُ رَبّ رَضِيًّا} أي مرضيًا عندك وعند خلقك, تحبه وتحببه إلى خلقك في دينه وخلقه.
{يَزَكَرِيّآ إِنّا نُبَشّرُكَ بِغُلاَمٍ اسْمُهُ يَحْيَىَ لَمْ نَجْعَل لّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا}
هذا الكلام يتضمن محذوفًا وهو أنه أجيب إلى ما سأل في دعائه, فقيل له: {يَزَكَرِيّآ إِنّا نُبَشّرُكَ بِغُلاَمٍ اسْمُهُ يَحْيَىَ} كما قال تعالى: {هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقًا بكلمة من الله وسيدًا وحصورًا ونبيًا من الصالحين} وقوله {لَمْ نَجْعَل لّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا} قال قتادة وابن جريج وابن زيد: أي لم يسم أحد قبله بهذا الاسم, واختاره ابن جرير رحمه الله.
قال مجاهد {لَمْ نَجْعَل لّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا} أي شبيهًا,