فهرس الكتاب

الصفحة 1571 من 2760

أخذه من معنى قوله {فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} أي شبيهًا, وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي لم تلد العواقر قبله مثله, وهذا دليل على أن زكريا عليه السلام كان لا يولد له, وكذلك امرأته كانت عاقرًا من أول عمرها, بخلاف إبراهيم, وسارة عليهما السلام, فإنهما إنما تعجبا من البشارة بإسحاق لكبرهما لا لعقرهما, ولهذا قال {أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ} مع أنه كان قد ولد له قبله إسماعيل بثلاث عشرة سنة, وقالت امرأته {يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} .

{قَالَ رَبّ أَنّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبّكَ هُوَ عَلَيّ هَيّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا}

هذا تعجب من زكريا عليه السلام حين أجيب إلى ما سأل وبشر بالولد, ففرح فرحًا شديدًا, وسأل عن كيفية ما يولد له والوجه الذي يأتيه منه الولد, مع أن امرأته كانت عاقرًا لم تلد من أول عمرها مع كبرها, ومع أنه قد كبر وعتا, أي: عسا عظمه ونحل, ولم يبق فيه لقاح ولا جماع, والعرب تقول للعود إذا يبس: عتا يعتو عتيًا وعتوًا, وعسا يعسو عسوًا وعسيًا, وقال مجاهد: عتيا يعني نحول العظم, وقال ابن عباس وغيره: عتيا, يعني الكبر, والظاهر أنه أخص من الكبر.

وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب, حدثنا هشيم, أخبرنا حصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: لقد علمت السنة كلها غير أني لا أدري أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر أم لا, ولا أدري كيف كان يقرأ هذا الحرف {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا} أو عسيا, ورواه الإمام أحمد عن سُريج بن النعمان وأبو داود عن زياد بن أيوب كلاهما عن هشيم به, {قَالَ} أي الملك مجيبًا لزكريا عما استعجب منه {كَذَلِكَ قَالَ رَبّكَ هُوَ عَلَيّ هَيّنٌ} أي إيجاد الولد منك ومن زوجتك هذه لا من غيرها, {هَيّنٌ} أي يسير سهل على الله, ثم ذكر له ما هو أعجب مما سأل عنه, فقال {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} كما قال تعالى: { هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ َمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} .

{قَالَ رَبّ اجْعَل لِيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلّمَ النّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيًّا فَخَرَجَ عَلَىَ قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىَ إِلَيْهِمْ أَن سَبّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيًّا}

يقول تعالى مخبرًا عن زكريا عليه السلام أنه {قَالَ رَبّ اجْعَل لِيَ آيَةً} أي علامة ودليلًا على وجود ما وعدتني, لتستقر نفسي ويطمئن قلبي بما وعدتني, كما قال إبراهيم عليه السلام {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} {قَالَ آيَتُكَ} أي علامتك {أَلاّ تُكَلّمَ النّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} أي أن تحبس لسانك عن الكلام ثلاث ليال, وأنت صحيح سوي من غير مرض ولا علة, قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة ووهب والسدي وقتادة وغير واحد: اعتقل لسانه من غير مرض ولا علة. قال بن زيد بن أسلم: كان يقرأ ويسبح ولا يستطيع أن يكلم قومه إلا إشارة.

وقال العوفي عن ابن عباس {ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} أي متتابعات, والقول الأول عنه وعن الجمهور أصح, كما قال تعالى في آل عمران {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت