فهرس الكتاب

الصفحة 1572 من 2760

وقال مالك عن زيد بن أسلم {ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} من غير خرس, وهذا دليل على أنه لم يكن يكلم الناس في هذه الليالي الثلاث وأيامها {إِلَّا رَمْزًا} أي إشارة, ولهذا قال في هذه الآية الكريمة {فَخَرَجَ عَلَىَ قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ} أي الذي بشر فيه بالولد {فَأَوْحَىَ إِلَيْهِمْ} أي أشار إشارة خفية سريعة {أَن سَبّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيًّا} أي موافقة له فيما أمر به في هذه الأيام الثلاثة زيادة على أعماله شكرًا لله على ما أولاه. قال مجاهد:"فأوحى إليهم"أي أشار وبه قال وهب وقتادة. وقال مجاهد في رواية عنه: {فَأَوْحَىَ إِلَيْهِمْ} أي كتب لهم في الأرض, وكذا قال السدي.

{يَيَحْيَىَ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا وَحَنَانًا مّن لّدُنّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبّارًا عَصِيًّا وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًا}

وهذا أيضًا تضمن محذوفًا تقديره أنه وجد هذا الغلام المبشر به وهو يحيى عليه السلام, وأن الله علمه الكتاب وهو التوارة التي كانوا يتدارسونها بينهم, ويحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار, وقد كان سنه إذ ذاك صغيرًا فلهذا نوه بذكره وبما أنعم به عليه وعلى والديه فقال: {يَيَحْيَىَ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوّةٍ} أي تعلم الكتاب بقوة أي بجد وحرص واجتهاد {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} أي الفهم والعلم والجد والعزم والإقبال على الخير والإكباب عليه والاجتهاد فيه وهو صغير حدث, قال عبد الله بن المبارك: قال معمر: قال الصبيان ليحيى بن زكريا: اذهب بنا نلعب, فقال: ما للعب خلقنا, فلهذا أنزل الله {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} .

وقوله: {وَحَنَانًا مّن لّدُنّا} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {وَحَنَانًا مّن لّدُنّا} يقول: ورحمة من عندنا, وكذا قال عكرمة وقتادة والضحاك وزاد: لا يقدر عليها غيرنا, وزاد قتادة: رحم الله بها زكريا. وقال مجاهد: {وَحَنَانًا مّن لّدُنّا} وتعطفًا من ربه عليه. وقال عكرمة: {وَحَنَانًا مّن لّدُنّا} قال: محبة عليه. وقال ابن زيد أما الحنان فالمحبة, وقال عطاء بن أبي رباح: {وَحَنَانًا مّن لّدُنّا} قال: تعظيمًا من لدنا, وقال ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع عكرمة عن ابن عباس أنه قال: لا والله ما أدري ما حنانًا.

وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد, حدثنا جرير عن منصور, سألت سعيد بن جبير عن قوله: {وَحَنَانًا مّن لّدُنّا} فقال: سألت عنها ابن عباس فلم يجد فيها شيئًا, والظاهر من السياق أن قوله وحنانًا معطوف على قوله {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} أي وآتيناه الحكم وحنانًا وزكاة, أي وجعلناه ذا حنان وزكاة, فالحنان هو المحبة في شفقة وميل, كما تقول العرب: حنت الناقة على ولدها وحنت المرأة على زوجها, ومنه سميت المرأة حنة من الحَنّة, وحن الرجل إلى وطنه, ومنه التعطف والرحمة, كما قال الشاعر:

تعطف عليّ هداك المليك ... فإن لكل مقام مقالا

وفي المسند للإمام أحمد عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"يبقى رجل في النار ينادي ألف سنة: يا حنان يا منان"وقد يثنى, ومنهم من يجعل ما ورد من ذلك لغة بذاتها, كما قال طرفة:

أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض

وقوله: {وزكاة} معطوف على وحنانًا, فالزكاة الطهارة من الدنس والاَثام والذنوب, وقال قتادة: الزكاة العمل الصالح, وقال الضحاك وابن جريج: العمل الصالح الزكي. وقال العوفي عن ابن عباس {وَزَكَاةً}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت