فهرس الكتاب

الصفحة 1323 من 2760

بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ

{الَمَر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رّبّكَ الْحَقّ وَلََكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ}

أما الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور, فقد تقدم في أول سورة البقرة, وقدمنا أن كل سورة ابتدئت بهذه الحروف ففيها الانتصار للقرآن وتبيان أن نزوله من عند الله حق لا شك فيه ولا مرية ولا ريب, ولهذا قال: {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} أي هذه آيات الكتاب, وهو القرآن, وقيل: التوراة والإنجيل, قاله مجاهد وقتادة, وفيه نظر بل هو بعيد, ثم عطف على ذلك عطف صفات فقال: {وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ} أي يا محمد {مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ} خبر تقدم مبتدؤه, وهو قوله: {وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} هذا هو الصحيح المطابق لتفسير مجاهد وقتادة, واختار ابن جرير أن تكون الواو زائدة أو عاطفة صفة على صفة كما قدمنا, واستشهد بقول الشاعر:

إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم

وقوله: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ} كقوله: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} أي مع هذا البيان والجلاء والوضوح لا يؤمن أكثرهم لما فيهم من الشقاق والعناد والنفاق

{اللّهُ الّذِي رَفَعَ السّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمّ اسْتَوَىَ عَلَى الْعَرْشِ وَسَخّرَ الشّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلّ يَجْرِي لأجَلٍ مّسَمّى يُدَبّرُ الأمْرَ يُفَصّلُ الآيات لَعَلّكُمْ بِلِقَآءِ رَبّكُمْ تُوقِنُونَ}

يخبر الله تعالى عن كمال قدرته وعظيم سلطانه أنه الذي بإذنه وأمره رفع السموات بغير عمدٍ, بل بإذنه وأمره وتسخيره رفعها عن الأرض بعدًا لا تنال ولا تدرك مداها, فالسماء الدنيا محيطة بجميع الأرض وما حولها من الماء والهواء من جميع نواحيها وجهاتها وأرجائها, مرتفعة عليها من كل جانب على السواء, وبعد ما بينها وبين الأرض من كل ناحية مسيرة خمسمائة عام, وسمكها في نفسها مسيرة خمسمائة عام, ثم السماء الثانية محيطة بالسماء الدنيا وما حوت, وبينهما من بعد المسير خمسمائة عام, وسمكها خمسمائة عام, وهكذا السماء الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة, كما قال تعالى: { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} الآية.

وفي الحديث"ما السموات السبع وما فيهن وما بينهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة, والكرسي في العرش المجيد كتلك الحلقة في تلك الفلاة". وفي رواية"والعرش لا يقدر قدره إلا الله عز وجل"وجاء عن بعض السف أن بعد ما بين العرش إلى الأرض مسيرة خمسين ألف سنة, وبعد ما بين قطريه مسيرة خمسين ألف سنة, وهو من ياقوتة حمراء. وقوله: {بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} روي عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وغير واحد أنهم قالوا: لها عمد ولكن لا ترى. وقال إياس بن معاوية: السماء على الأرض مثل القبة, يعني بلا عمد, وكذا روي عن قتادة, وهذا هو اللائق بالسياق, والظاهر من قوله تعالى: {وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ} فعلى هذا يكون قوله: {تَرَوْنَهَا} تأكيدًا لنفي ذلك, أي هي مرفوعة بغير عمد كما ترونها, وهذا هو الأكمل في القدرة, وفي شعر أمية بن أبي الصلت الذي آمن شعره, وكفر قلبه كما ورد في الحديث, ويروى لزيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت