قال الحافظ أبو بكر بن عمرو بن عبد الخالق البزار: حدثنا محمد بن موسى القطان الواسطي، حدثنا معلى بن عبد الرحمن، حدثنا شريك عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر قال: اجتمعت قريش في دار الندوة فقالوا: سموا هذا الرجل اسمًا يصد الناس عنه، فقالوا: كاهن. قالوا: ليس بكاهن. قالوا: مجنون. قالوا: ليس بمجنون. قالوا: ساحر. قالوا: ليس بساحر، فتفرق المشركون على ذلك فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فتزمل في ثيابه وتدثر فيها. فأتاه جبريل عليه السلام فقال: { يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ } { يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ } ثم قال البزار: معلى بن عبد الرحمن قد حدث عنه جماعة من أهل العلم واحتملوا حديثه لكنه تفرد بأحاديث لا يتابع عليها.
بِسْمِ اللّهِ الرّحْمنِ الرّحِيمِ
{يَأَيّهَا الْمُزّمّلُ قُمِ الْلّيْلَ إِلاّ قَلِيلًا نّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا إِنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا إِنّ نَاشِئَةَ اللّيْلِ هِيَ أَشَدّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلًا إِنّ لَكَ فِي النّهَارِ سَبْحًَا طَوِيلًا وَاذْكُرِ اسْمَ رَبّكَ وَتَبَتّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا رّبّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لاَ إِلَهَ إِلاّ هُوَ فَاتّخِذْهُ وَكِيلًا}
يأمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يترك التزمل وهو التغطي في الليل وينهض إلى القيام لربه عز وجل كما قال تعالى: { تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } وكذلك كان صلى الله عليه وسلم ممتثلًا ما أمره الله تعالى به من قيام الليل، وقد كان واجبًا عليه وحده كما قال تعالى: { وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا } وههنا بيّن له مقدار ما يقوم فقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا } قال ابن عباس والضحاك والسدي { يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ } يعني يا أيها النائم. وقال قتادة: المزمل في ثيابه. وقال إبراهيم النخعي: نزلت وهو متزمل بقطيفة، وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس { يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ } قال: يا محمد زملت القرآن وقوله تعالى: { نِصْفَهُ } بدل من الليل { انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ } أي أمرناك أن تقوم نصف الليل بزيادة قليلة أو نقصان قليل لا حرج عليك في ذلك. وقوله تعالى: { وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا } أي اقرأه على تمهل فإنه يكون عونًا على فهم القرآن وتدبره. وكذلك كان يقرأ صلوات الله وسلامه عليه، قالت عائشة رضي الله عنها: كان يقرأ السورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها. وفي صحيح البخاري عن أنس أنه سئل عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كانت مدًا ثم قرأ { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } يمد بسم الله ويمد الرحمن ويمد الرحيم. وقال ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة رضي الله عنها أنها سئلت عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان يقطع قراءته آية آية { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } رواه أحمد وأبو داود والترمذي. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن عاصم عن ذر عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"يقال لقارىء القرآن: اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر"