رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وكقول الخليل { قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} الآيات، وكقوله لأبيه وقومه { إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمة باقية في عقبة لعلهم يرجعون} .
وقوله: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ} إلى آخر الآية، مؤكد لما تقدم إلا أنه بصيغة الخطاب وذلك بصيغة الغيبة، ولهذا قال {لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ} ، وقوله: {وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ} كقوله تعالى: {إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ} الآية. وقوله: {وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ} إنما قال {يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ} أي يقابلونك بعيون مصورة كأنها ناظرة وهي جماد، ولهذا عاملهم معاملة من يعقل لأنها على صورة مصورة كالإنسان وتراهم ينظرون إليك، فعبر عنها بضمير من يعقل، وقال السدي: المراد بهذا المشركون، وروي عن مجاهد نحوه، والأول أولى، وهو اختيار ابن جرير، وقاله قتادة.
{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ وَإِماّ يَنَزَغَنّكَ مِنَ الشّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: {خُذِ الْعَفْوَ} يعني خذ ما عفي لك من أموالهم وما أتوك به من شيء فخذه، وكان هذا قبل أن تنزل براءة بفرائض الصدقات وتفصيلها وما انتهت إليه الصدقات، قاله السدي. وقال الضحاك عن ابن عباس {خُذِ الْعَفْوَ} أنفق الفضل، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس {خُذِ الْعَفْوَ} قال: الفضل. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: { خُذِ الْعَفْوَ} أمره الله بالعفو والصفح عن المشركين عشر سنين، ثم أمره بالغلظة عليهم، واختار هذا القول ابن جرير. وقال غير واحد عن مجاهد في قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ} قال: من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تجسس. وقال هشام بن عروة عن أبيه: أمر الله رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من أخلاق الناس، وفي رواية قال: خذ ما عفي لك من أخلاقهم، وفي صحيح البخاري عن هشام عن أبيه عروة عن أخيه عبد الله بن الزبير قال: إنما أنزل خذ العفو من أخلاق الناس وفي رواية عن أبيه عن ابن عمر، وفي رواية عن هشام عن أبيه عن عائشة أنهما قالا مثل لك، والله أعلم.
وفي رواية سعيد بن منصور عن أبي معاوية عن هشام عن وهب بن كيسان عن أبي الزبير خذ العفو، قال: من أخلاق الناس، والله لأخذنه منهم ما صحبتهم، وهذا أشهر الأقوال، ويشهد له ما رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم جميعًا: حدثنا يونس حدثنا سفيان هو ابن عيينة عن أُمَيّ قال: لما أنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما هذا يا جبريل ؟"قال: إن الله أمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك"، وقد رواه ابن أبي حاتم أيضًا عن أبي يزيد القراطيسي كتابة، عن أصبغ بن الفرج عن سفيان عن أُمَيّ عن الشعبي نحوه، وهذا مرسل على كل حال، وقد روي له شواهد من وجوه أخر، وقد روي مرفوعًا عن جابر وقيس بن سعد بن عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم أسندهما ابن مردويه."
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا معاذ بن رفاعة، حدثني علي بن يزيد عن القاسم بن أبي أمامة الباهلي عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فابتدأته، فأخذت بيده فقلت: يا رسول الله أخبرني بفواضل