فهرس الكتاب

الصفحة 1057 من 2760

وجل في الجنة مرتين.

وقوله تعالى: {وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ} أي وأخوان الشياطين من الإنس كقوله: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ} وهم أتباعهم والمستمعون لهم، القابلون لأوامرهم يمدونهم في الغي أي تساعدهم الشياطين على المعاصي وتسهلها عليهم وتحسنها لهم. وقال ابن كثير: المد الزيادة يعني يزيدونهم في الغي يعني الجهل والسفه { ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ} قيل معناه أن الشياطين تمد الإنس لا تقصر في أعمالهم بذلك، كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ} الآية، قال: لا الإنس يقصرون عما يعملون، ولا الشياطين تمسك عنهم، وقيل معناه كما رواه العوفي عن ابن عباس في قوله: {يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ} قال: هم الجن يوحون إلى أوليائهم من الإنس ثم لا يقصرون، يقول لا يسأمون، وكذا قال السدي وغيره أن يعني الشياطين يمدون أولياءهم من الإنس ولا تسأم من إمدادهم في الشر، لأن ذلك طبيعة لهم وسجية {لا يُقْصِرُونَ} لا تفتر فيه ولا تبطل عنه، كما قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} قال ابن عباس وغيره: تزعجهم إلى المعاصي إزعاجًا.

{وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُواْ لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنّمَآ أَتّبِعُ مَا يِوحَىَ إِلَيّ مِن رّبّي هَذَا بَصَآئِرُ مِن رّبّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةً لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}

قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {قَالُواْ لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا} يقول: لولا تلقيتها. وقال مرة أخرى: لولا أحدثتها فأنشأتها، وقال ابن جرير عن عبد الله بن كثير عن مجاهد في قوله: {وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُواْ لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا} قال: لولا اقتضيتها، قالوا: تخرجها عن نفسك، وكذا قال قتادة والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير. وقال العوفي عن ابن عباس {لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا} يقول: تلقيتها من الله تعالى. وقال الضحاك {لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا} يقول: لولا أخذتها أنت فجئت بها من السماء، ومعنى قوله تعالى: {وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ} أي معجزة وخارق، كقوله تعالى: {إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} يقولون للرسول صلى الله عليه وسلم: ألا تجهد نفسك في طلب الآيات من الله حتى نراها ونؤمن بها، قال الله تعالى له: {قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي} أي أنا لا أتقدم إليه تعالى في شيء، وإنما أتبع ما أمرني به فأمتثل ما يوحيه إلي، فإن بعث آية قبلتها وإن منعها لم أسأله ابتداء إياها إلا أن يأذن لي في ذلك، فإنه حكيم عليم، ثم أرشدهم إلى أن هذا القرآن هو أعظم المعجزات وأبين الدلالات وأصدق الحجج والبينات، فقال {هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} .

{وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلّكُمْ تُرْحَمُونَ}

لما ذكر تعالى أن القرآن بصائر للناس وهدى ورحمة، أمر تعالى بالإنصات عند تلاوته إعظامًا له واحترامًا، لا كما كان يعتمده كفار قريش المشركون في قولهم {لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ} الآية، ولكن يتأكد ذلك من الصلاة المكتوبة إذا جهر الإمام بالقراءة، كما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا"وكذا رواه أهل السنن من حديث أبي هريرة أيضًا، وصححه مسلم بن الحجاج أيضًا، ولم يخرجه في كتابه، وقال إبراهيم بن مسلم الهجري عن أبي عياض عن أبي هريرة قال: كانوا يتكلمون في الصلاة، فلما نزلت هذه الآية {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ} والآية الأخرى، أمروا بالإنصات.

قال ابن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت