فهرس الكتاب

الصفحة 1066 من 2760

"انظر ما تقول, فإن لكل شيء حقيقة, فما حقيقة إيمانك ؟"فقال: عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري, وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزًا, وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها, وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها. فقال:"يا حارث عرفت فالزم"ثلاثًا. وقال عمرو بن مرة في قوله تعالى: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} إنما أنزل القرآن بلسان العرب كقولك فلان سيد حقًا, وفي القوم سادة. وفلان تاجر حقًا, وفي القوم تجار. وفلان شاعر حقًا, وفي القوم شعراء. وقوله {لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} أي منازل ومقامات ودرجات في الجنات كما قال تعالى: {هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} {وَمَغْفِرَةٌ} أي يغفر لهم السيئات ويشكر لهم الحسنات. وقال الضحاك في قوله {لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} أهل الجنة بعضهم فوق بعض, فيرى الذي هو فوق فضله على الذي هو أسفل منه, ولا يرى الذي هو أسفل منه أنه فضل عليه أحد, ولهذا جاء في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال"إن أهل عليين ليراهم من أسفل منهم كما ترون الكوكب الغابر في أفق من آفاق السماء". قالوا: يا رسول الله, تلك منازل الأنبياء لا ينالها غيرهم فقال:"بلى والذي نفسي بيده, لرجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين". وفي الحديث الأخر الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث أبي عطية عن ابن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن أهل الجنة ليتراءون أهل الدرجات العلى كما تراءون الكوكب الغابر في أفق السماء وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما".

{كمَآ أَخْرَجَكَ رَبّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقّ وَإِنّ فَرِيقًا مّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقّ بَعْدَمَا تَبَيّنَ كَأَنّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطّائِفَتِيْنِ أَنّهَا لَكُمْ وَتَوَدّونَ أَنّ غَيْرَ ذَاتِ الشّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقّ الحَقّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ لِيُحِقّ الْحَقّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ}

قال الإمام أبو جعفر الطبري: اختلف المفسرون في السبب الجالب لهذه الكاف في قوله {كمَآ أَخْرَجَكَ رَبّكَ} , فقال بعضهم شبه به في الصلاح للمؤمنين اتقاؤهم ربهم وإصلاحهم ذات بينهم وطاعتهم لله ورسوله, ثم روي عن عكرمة نحو هذا ومعنى هذا أن الله تعالى يقول كما أنكم لما اختلفتم في المغانم وتشاححتم فيها فانتزعها الله منكم وجعلها إلى قسمه, وقسم رسوله صلى الله عليه وسلم فقسمها على العدل والتسوية, فكان هذا هو المصلحة التامة لكم, وكذلك لما كرهتم الخروج إلى الأعداء من قتال ذات الشوكة, وهم النفير الذين خرجوا لنصر دينهم وإحراز عيرهم, فكان عاقبة كراهتكم للقتال بأن قدره لكم وجمع به بينكم وبين عدوكم على غير ميعاد رشدًا وهدى, ونصرًا وفتحًا, كما قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} قال ابن جرير وقال آخرون معنى ذلك {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ} , على كره من فريق من المؤمنين كذلك هم كارهون للقتال فهم يجادلونك فيه بعدما تبين لهم. ثم روي عن مجاهد نحوه أنه قال {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ} قال كذلك يجادلونك في الحق, وقال السدي: أنزل الله في خروجه إلى بدر ومجادلتهم إياه, فقال {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} لطلب المشركين {يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ} وقال بعضهم يسألونك عن الأنفال مجادلة كما جادلوك يوم بدر فقالوا أخرجتنا للعير ولم تعلمنا قتالًا فنستعد له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت