فهرس الكتاب
الرقاب وشد الوثاق"واختار ابن جرير أنها قد تدل على ضرب الرقاب وفلق الهام, قلت وفي مغازي الأموي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يمر بين القتلى يوم بدر فيقول:"يفلق هامًا"فيقول أبو بكر:"
من رجال أعزة علينا وهم كانوا أعق وأظلما فيبتدىء رسول الله صلى الله عليه وسلم بأول البيت ويستطعم أبا بكر رضي الله عنه إنشاد آخره لأنه كان لا يحسن إنشاد الشعر كما قال تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} وقال الربيع بن أنس: كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم بضرب فوق الأعناق وعلى البنان مثل سمة النار قد أحرق به, وقوله {وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} وقال ابن جرير: معناه واضربوا من عدوكم أيها المؤمنون كل طرف ومفصل من أطراف أيديهم وأرجلهم, والبنان جمع بنانة كما قال الشاعر:
ألا ليتني قطعت مني بنانة ... ولا قيته في البيت يقظان حاذرا
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} يعني بالبنان الأطراف وكذا قال الضحاك وابن جرير: وقال السدي البنان الأطراف ويقال كل مفصل وقال عكرمة وعطية العوفي والضحاك في رواية أخرى كل مفصل, وقال الأوزاعي في قوله تعالى: {وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} قال اضرب منه الوجه والعين وارمه بشهاب من نار فإذا أخذته حرم ذلك كله عليك وقال العوفي عن ابن عباس: فذكر قصة بدر إلى أن قال: فقال أبو جهل لا تقتلوهم قتلًا ولكن خذوهم أخذًا حتى تعرفوهم الذي صنعوا من طعنهم في دينكم ورغبتهم عن اللات والعزى فأوحى الله إلى الملائكة { إِنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} الآية, فقتل أبو جهل لعنه الله في تسعة وستين رجلًا, وأسر عقبة بن أبي معيط فقتل صبرًا فوفى ذلك سبعين يعني قتيلًا ولهذا قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي خالفوهما فساروا في شق, وتركوا الشرع والإيمان به وأتباعه في شق, ومأخوذ أيضًا من شق العصا وهو جعلها فرقتين {وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} أي هو الطالب الغالب لمن خالفه وناوأه لا يفوته شيء ولا يقوم لغضبه شيء تبارك وتعالى لا إله ولا رب سواه {ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ} هذا خطاب للكفار أي ذوقوا هذا العذاب والنكال في الدنيا واعلموا أيضًا أن للكافرين عذاب النار في الآخرة.
{ يَآأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ إِذَا لَقِيتُمُ الّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا فَلاَ تُوَلّوهُمُ الأدْبَارَ وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرّفًا لّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيّزًا إِلَىَ فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنّمُ وَبِئْسَ الْمَصِير}
يقول تعالى متوعدًا على الفرار من الزحف بالنار لمن فعل ذلك { يَآأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ إِذَا لَقِيتُمُ الّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا} أي تقاربتم منهم ودنوتم إليهم {فَلاَ تُوَلّوهُمُ الأدْبَارَ} أي تفروا وتتركوا أصحابكم {وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرّفًا لّقِتَالٍ} أي يفر بين يدي قرنه مكيدة ليريه أنه قد خاف منه فيتبعه ثم يكر عليه فيقتله فلا بأس عليه في ذلك نص عليه سعيد بن جبير والسدي, وقال الضحاك أن يتقدم عن أصحابه ليرى غرة من العدو فيصيبها {أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ} أي فر من ها هنا إلى فئة أخرى من المسلمين