فهرس الكتاب

الصفحة 1084 من 2760

أي لا تظهروا له من الحق ما يرضى به منكم, ثم تخالفوه في السر إلى غيره, فإن ذلك هلاك لأماناتكم, وخيانة لأنفسكم. وقال السدي: إذا خانوا الله والرسول فقد خانوا أماناتهم, وقال أيضًا: كانوا يسمعون من النبي صلى الله عليه وسلم الحديث فيفشونه حتى يبلغ المشركين, وقال عبد الرحمن بن زيد: نهاكم أن تخونوا الله والرسول كما صنع المنافقون, وقوله {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ} , أي اختبار وامتحان منه لكم إذ أعطاكموها ليعلم أتشكرونه عليها وتطيعونه فيها أو تشتغلون بها عنه وتعتاضون بها منه كما قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} وقال {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} . وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} . وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} الآية, وقوله {وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} أي ثوابه وعطاؤه وجناته خير لكم من الأموال والأولاد, فإنه قد يوجد منهم عدو, وأكثرهم لا يغني عنك شيئًا, والله سبحانه هو المتصرف المالك للدنيا والآخرة ولديه الثواب الجزيل يوم القيامة. وفي الأثر يقول الله تعالى: يا ابن آدم, اطلبني تجدني, فإن وجدتني وجدت كل شيء, وإن فتك فاتك كل شيء, وأنا أحب إليك من كل شيء, وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ثلاث من كن فيه, وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما, ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله, ومن كان أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه", بل حب رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدم على الأولاد والأموال والنفوس, كما ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال:"والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وأهله وماله والناس أجمعين".

{يِا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ إَن تَتّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفّرْ عَنكُمْ سَيّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}

قال ابن عباس والسدي ومجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة ومقاتل بن حيان وغير واحد {فُرْقَانًا} مخرجًا, زاد مجاهد في الدنيا والآخرة, وفي رواية عن ابن عباس {فرقانًا} نجاة, وفي رواية عنه نصرًا, وقال محمد بن إسحاق {فُرْقَانًا} أي فصلًا بين الحق والباطل وهذا التفسير من ابن إسحاق أعم مما تقدم وهو يستلزم ذلك كله, فإن من اتقى الله بفعل أوامره وترك زواجره وفق لمعرفة الحق من الباطل, فكان ذلك سبب نصره ونجاته ومخرجه من أمور الدنيا وسعادته يوم القيامة وتكفير ذنوبه وهو محوها, وغفرها سترها عن الناس وسببًا لنيل ثواب الله الجزيل كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .

{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}

قال ابن عباس ومجاهد وقتادة {لِيُثْبِتُوكَ} ليقيدوك, وقال عطاء وابن زيد: ليحبسوك, وقال السدي: الإثبات هو الحبس والوثاق, وهذا يشمل ما قاله هؤلاء وهؤلاء وهو مجمع الأقوال, وهو الغالب من صنيع من أراد غيره بسوء, وقال سنيد عن حجاج عن ابن جريج: قال عطاء: سمعت عبيد بن عمير يقول: لما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت