فهرس الكتاب
تخلفوا عنك, ويوازرونك وينصرونك. فأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرًا, ودعا له به فبني له عريش, فكان فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ما معهما غيرهما. قال ابن إسحاق: وارتحلت قريش حين أصبحت, فلما أقبلت ورآها رسول الله صلى الله عليه وسلم تصوب من العقنقل, وهو الكثيب, الذي جاءوا منه إلى الوادي, فقال:"اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك اللهم أحنهم الغداة"وقوله: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} , قال محمد بن إسحاق: أي ليكفر من كفر بعد الحجة لما رأى من الآية والعبرة, ويؤمن من آمن على مثل ذلك, وهذا تفسير جيد. وبسط ذلك أنه تعالى يقول: إنما جمعكم مع عدوكم في مكان واحد, على غير ميعاد, لينصركم عليهم ويرفع كلمة الحق على الباطل, ليصير الأمر ظاهرًا والحجة قاطعة والبراهين ساطعة, ولا يبقى لأحد حجة, ولا شبهة, فحينئذ يهلك من هلك أي يستمر في الكفر من استمر فيه, على بصيرة من أمره, إنه مبطل لقيام الحجة عليه, {وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ} أي يؤمن من آمن {عَنْ بَيِّنَةٍ} أي حجة وبصيرة, والإيمان هو حياة القلوب, قال الله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} وقالت عائشة في قصة الإفك فهلك فيّ من هلك, أي قال فيها ما قال من البهتان والإفك. وقوله: {وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي لدعائكم وتضرعكم واستغاثتكم به, {عَلِيمٌ} أي بكم, وأنكم تستحقون النصر على أعدائكم الكفرة المعاندين.
{إِذْ يُرِيكَهُمُ اللّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمْرِ وَلََكِنّ اللّهَ سَلّمَ إِنّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصّدُورِ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِيَ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلّلُكُمْ فِيَ أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الاُمُورُ}
قال مجاهد: أراهم الله إياه في منامه قليلًا, وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك, فكان تثبيتًا لهم, وكذا قال ابن إسحاق وغير واحد, وحكى ابن جرير عن بعضهم, أنه رآهم بعينه التي ينام بها, وقد روى ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا يوسف بن موسى, حدثنا أبو قتيبة, عن سهل السراج عن الحسن في قوله: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا} قال بعينك, وهذا القول غريب, وقد صرح بالمنام ههنا, فلا حاجة إلى التأويل الذي لا دليل عليه, وقوله: {وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لّفَشِلْتُمْ} أي لجبنتم عنهم, واختلفتم فيما بينكم, {وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ} أي من ذلك, بأن أراكهم قليلًا {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور} أي بما تكنه الضمائر وتنطوي عليه الأحشاء, {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} وقوله: { وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا} وهذا أيضًا من لطفه تعالى بهم, إذ أراهم إياهم قليلًا في رأي العين, فيجرؤهم عليهم ويطمعهم فيهم, قال أبو إسحاق السبيعي: عن أبي عبيدة, عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه, قال: لقد قللوا في أعيننا يوم بدر, حتى قلت لرجل إلى جنبي تراهم سبعين ؟ قال: لا بل هم مائة, حتى أخذنا رجلًا منهم فسألناه, فقال: كنا ألفًا, رواه ابن أبي حاتم وابن جرير, وقوله: {وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا سليمان بن حرب, حدثنا حماد بن زيد, عن الزبير بن الحارث عن عكرمة {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ} الآية, قال: حض بعضهم على بعض, إسناد صحيح, وقال محمد بن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير, عن أبيه في قوله تعالى: {لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} أي ليلقي بينهم الحرب للنقمة ممن أراد الانتقام منه, والإنعام على من أراد تمام النعمة عليه من أهل ولايته, ومعنى هذا أنه تعالى أغرى كلًا من الفريقين بالآخر, وقلله في