فهرس الكتاب
فيما بينهم أيضًا فيختلفوا فيكون سببًا لتخاذلهم وفشلهم, {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} أي قوتكم وحدتكم, وما كنتم فيه من الإقبال , {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} وقد كان للصحابة رضي الله عنهم في باب الشجاعة والائتمار بما أمرهم الله ورسوله به, وامتثال ما أرشدهم إليه ما لم يكن لأحد من الأمم والقرون قبلهم, ولا يكون لأحد ممن بعدهم, فإنهم ببركة الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته فيما أمرهم, فتحوا القلوب والأقاليم شرقًا وغربًا في المدة اليسيرة, مع قلة عددهم بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم, من الروم والفرس والترك والصقالية والبربر والحبوش, وأصناف السودان والقبط وطوائف بني آدم. قهروا الجميع حتى علت كلمة الله, وظهر دينه على سائر الأديان, وامتدت الممالك الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها, في أقل من ثلاثين سنة, فرضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين, وحشرنا في زمرتهم إنه كريم وهاب.
{وَلاَ تَكُونُواْ كَالّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَآءَ النّاسِ وَيَصُدّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَاللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ وَإِذْ زَيّنَ لَهُمُ الشّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ وَإِنّي جَارٌ لّكُمْ فَلَمّا تَرَآءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىَ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنّي بَرِيَءٌ مّنْكُمْ إِنّيَ أَرَىَ مَا لاَ تَرَوْنَ إِنّيَ أَخَافُ اللّهَ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مّرَضٌ غَرّ هََؤُلآءِ دِينُهُمْ وَمَن يَتَوَكّلْ عَلَى اللّهِ فَإِنّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}
يقول تعالى بعد أمره المؤمنين بالإخلاص في القتال في سبيله, وكثرة ذكره, ناهيًا لهم عن التشبه بالمشركين في خروجهم من ديارهم, بطرًا أي دفعًا للحق, {وَرِئَآءَ النّاسِ} وهو المفاخرة والتكبر عليهم, كما قال أبو جهل: لما قيل له: إن العير قد نجا فارجعوا, فقال: لا والله لا نرجع, حتى نرد ماء بدر, وننحر الجزر, ونشرب الخمر, وتعزف علينا القيان, وتتحدث العرب بمكاننا فيها يومنا أبدًا, فانعكس ذلك عليه أجمع, لأنهم لما وردوا ماء بدر وردوا به الحمام, وركموا في أطواء بدر مهانين أذلاء, صغرة أشقياء في عذاب سرمدي أبدي, ولهذا قال: {وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} أي عالم بما جاءوا به وله, ولهذا جازاهم عليه شر الجزاء لهم. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي في قوله تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ} قالوا: هم المشركون الذين قاتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر. وقال محمد بن كعب: لما خرجت قريش من مكة إلى بدر, خرجوا بالقيان والدفوف, فأنزل الله {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} وقوله تعالى: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ} الآية, حسن لهم ـ لعنه الله ـ ما جاءوا له وما هموا به, وأطمعهم أنه لا غالب لهم اليوم من الناس, ونفى عنهم الخشية من أن يؤتوا في ديارهم من عدوهم بني بكر, فقال: إني جار لكم, وذلك أنه تبدى لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم, سيد بني مدلج كبير تلك الناحية, وكل ذلك منه كما قال تعالى عنه: {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} قال ابن جريج: قال ابن عباس في هذه الآية: لما كان يوم بدر, سار إبليس برايته وجنوده مع المشركين, وألقى في قلوب المشركين أن أحدًا لن يغلبكم, وإني جار لكم, فلما التقوا ونظر الشيطان إلى إمداد الملائكة, {نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ} قال: رجع مدبرًا, وقال: {إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ}