فهرس الكتاب

الصفحة 1185 من 2760

{ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ } , وقال ابن جريج عذاب الدنيا وعذاب القبر ثم يردون إلى عذاب عظيم النار, وقال الحسن البصري: عذاب في الدنيا وعذاب في القبر, وقال عبد الرحمن بن زيد: أما عذاب في الدنيا فالأموال والأولاد, وقرأ قوله تعالى {فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} فهذه المصائب لهم عذاب وهي للمؤمنين أجر, وعذاب في الآخرة في النار {ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} قال النار, وقال محمد بن إسحاق {سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ} قال: هو فيما بلغني ما هم فيه من أمر الإسلام وما يدخل عليهم من غيظ ذلك على غير حسبة, ثم عذابهم في القبور إذا صاروا إليها, ثم العذاب العظيم الذي يردون إليه عذاب الآخرة والخلد فيه, وقال سعيد عن قتادة في قوله: {سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ} عذاب الدنيا وعذاب القبر {ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أسر إلى حذيفة باثني عشر رجلًا من المنافقين, فقال ستة منهم تكفيهم الدبيلة سراج من نار جهنم يأخذ في كتف أحدهم حتى يفضي إلى صدره, وستة يموتون موتًا, وذكر لنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا مات رجل ممن يرى أنه منهم, نظر إلى حذيفة فإن صلى عليه وإلا تركه, وذكر لنا أن عمر قال لحذيفة أنشدك الله أمنهم أنا ؟ قال لا ولا أومن منها أحدًا بعدك.

{وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيّئًا عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ}

لما بيّن تعالى حال المنافقين المتخلفين عن الغزاة رغبة عنها وتكذيبًا وشكًا, شرع في بيان حال المذنبين الذين تأخروا عن الجهاد كسلًا وميلًا إلى الراحة مع إيمانهم وتصديقهم بالحق, فقال {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ} أي أقروا بها واعترفوا فيما بينهم وبين ربهم, ولهم أعمال أخر صالحة خلطوا هذه بتلك فهؤلاء تحت عفو الله وغفرانه, وهذه الآية وإن كانت نزلت في أناس معينين إلا أنها عامة في كل المذنبين الخطائين المخلطين المتلوثين, وقد قال مجاهد: إنها نزلت في أبي لبابة لما قال لبني قريظة: إنه الذبح وأشار بيده إلى حلقه, وقال ابن عباس {وَآخَرُونَ} نزلت في أبي لبابة وجماعة من أصحابه تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك, فقال بعضهم: أبو لبابة وخمسة معه, وقيل وسبعة معه, وقيل وتسعة معه, فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته ربطوا أنفسهم بسواري المسجد وحلفوا لا يحلهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أنزل الله هذه الآية {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ} أطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعفا عنهم, وقال البخاري: حدثنا مؤمل بن هشام, حدثنا إسماعيل بن إبراهيم, حدثنا عوف, حدثنا أبو رجاء, حدثنا سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا:"أتاني الليلة آتيان فابتعثاني فانتهيا بي إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء, وشطر كأقبح ما أنت راء, قالا لهم اذهبوا فقعوا في ذلك النهر فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة, قالا لي هذه جنة عدن وهذا منزلك, قالا وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح, فإنهم خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا تجاوز الله عنهم"هكذا رواه البخاري مختصرًا في تفسير هذه الآية.

{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنّ صَلَوَاتَكَ سَكَنٌ لّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ أَلَمْ يَعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصّدَقَاتِ وَأَنّ اللّهَ هُوَ التّوّابُ الرّحِيمُ}

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت