فهرس الكتاب
فِي قُلُوبِهِمْ إِلاّ أَن تَقَطّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
يقول تعالى لا يستوي من أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان ومن بنى مسجدًا ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين, وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل, فإنما يبني هؤلاء بنيانهم على شفا جرف هار, أي طرف حفيرة, مثاله {فِي نَارِ جَهَنّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ} أي لا يصلح عمل المفسدين. قال جابر بن عبد الله: رأيت المسجد الذي بني ضرارًا يخرج منه الدخان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقال ابن جريج: ذكر لنا أن رجالًا حفروا فوجدوا الدخان يخرج منه, وكذا قال قتادة, وقال خلف بن ياسين الكوفي: رأيت مسجد المنافقين الذي ذكره الله تعالى في القرآن وفيه جحر يخرج منه الدخان وهو اليوم مزبلة, رواه ابن جرير رحمه الله. وقوله تعالى: {لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ} أي شكًا ونفاقًا, بسبب إقدامهم على هذا الصنيع الشنيع أورثهم نفاقًا في قلوبهم كما أشرب عابدو العجل حبه, وقوله: {إِلّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} أي بموتهم, قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وزيد بن أسلم والسدي وحبيب بن أبي ثابت والضحاك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد من علماء السلف, {عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي بأعمال خلقه {حَكِيمٌ} في مجازاتهم عنها من خير وشر.
{إِنّ اللّهَ اشْتَرَىَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنّ لَهُمُ الّجَنّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىَ بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}
يخبر تعالى أنه عاوض عباده المؤمنين عن أنفسهم وأموالهم إذ بذلوها في سبيله بالجنة, وهذا من فضله وكرمه وإحسانه, فإنه قبل العوض عما يملكه بما تفضل به على عبيده المطيعين له. ولهذا قال الحسن البصري وقتادة: بايعهم والله فأغلى ثمنهم. وقال شمر بن عطية: ما من مسلم إلا ولله عز وجل في عنقه بيعة, وفى بها أو مات عليها ثم تلا هذه الآية. ولهذا يقال من حمل في سبيل الله بايع الله أي قبل هذا العقد ووفى به. وقال محمد بن كعب القرظي وغيره, قال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعني ليلة العقبة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت, فقال:"أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا. وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم"قالوا فما لنا إذا فعلنا ذلك ؟ قال"الجنة"قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل, فنزلت {إِنّ اللّهَ اشْتَرَىَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ} الآية, وقوله: {يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} أي سواء قتلوا أو قتلوا, أو اجتمع لهم هذا وهذا فقد وجبت لهم الجنة.
ولهذا جاء في الصحيحين"وتكفل الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وتصديق برسلي بأن توفاه أن يدخله الجنة أو يرجعه إلى منزله الذي خرج منه نائلًا ما نال من أجر أو غنيمة"وقوله: { وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ} تأكيد لهذا الوعد وإخبار بأنه قد كتبه على نفسه الكريمة وأنزله على رسله في كتبه الكبار, وهي التوراة المنزلة على موسى, والإنجيل المنزل على عيسى, والقرآن المنزل على محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وقوله: {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ} فإنه لا يخلف الميعاد. هذا كقوله: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} ولهذا قال {فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم} أي فليستبشر من قام بمقتضى هذا العقد ووفى بهذا العهد بالفوز العظيم والنعيم المقيم.