فهرس الكتاب

الصفحة 1205 من 2760

على خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه شهيد الدار.

فكسى الإسلام رياسته حلة سابغة. وامتدت في سائر الأقاليم على رقاب العباد حجة الله البالغة. فظهر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها. وعلت كلمة الله وظهر دينه. وبلغت الملة الحنيفية من أعداء الله غاية مآربها. وكلما علوا أمة انتقلوا إلى من بعدهم ثم الذين يلونهم من العتاة الفجار, امتثالًا لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ} وقوله تعالى: {وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} أي وليجد الكفار منكم غلظة في قتالكم لهم, فإن المؤمن الكامل هو الذي يكون رفيقًا لأخيه المؤمن غليظًا على عدوه الكافر, كقوله تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} وقوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} وفي الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أنا الضحوك القتال"يعني أنه ضحوك في وجه وليه قتال لهامة عدوه, وقوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} أي قاتلوا الكفار وتوكلوا على الله واعلموا أن الله معكم إِذا اتقيتموه وأطعتموه, وهكذا الأمر لما كانت القرون الثلاثة الذين هم خير هذه الأمة في غاية الاستقامة والقيام بطاعة الله تعالى لم يزالوا ظاهرين على عدوهم. ولم تزل الفتوحات كثيرة ولم تزل الأعداء في سفال وخسار, ثم لما وقعت الفتن والأهواء والاختلافات بين الملوك طمع الأعداء في أطراف البلاد وتقدموا إليها, فلم يمانعوا لشغل الملوك بعضهم ببعض, ثم تقدموا إلى حوزة الإسلام فأخذوا من الأطراف بلدانًا كثيرة, ثم لم يزالوا حتى استحوذوا على كثير من بلاد الإسلام ولله الأمر من قبل ومن بعد, فكلما قام ملك من ملوك الإسلام وأطاع أوامر الله وتوكل على الله فتح الله عليه من البلاد واسترجع من الأعداء بحسبه وبقدر ما فيه من ولاية الله. والله المسؤول المأمول أن يمكن المسلمين من نواصي أعدائه الكافرين وأن يعلي كلمتهم في سائر الأقاليم إنه جواد كريم.

{وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مّن يَقُولُ أَيّكُمْ زَادَتْهُ هََذِهِ إِيمَانًا فَأَمّا الّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمّا الّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىَ رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ}

يقول تعالى: {وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ} فمن المنافقين {مّن يَقُولُ أَيّكُمْ زَادَتْهُ هََذِهِ إِيمَانًا} أي يقول بعضهم لبعض أيكم زادته هذه السورة إيمانًا قال الله تعالى: {فَأَمّا الّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} وهذه الآية من أكبر الدلائل على أن الإيمان يزيد وينقص, كما هو مذهب أكثر السلف والخلف من أئمة العلماء. بل قد حكى غير واحد الإجماع على ذلك. وقد بسط الكلام على هذه المسألة في أول شرح البخاري رحمه الله {وَأَمّا الّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىَ رِجْسِهِمْ} أي زادتهم شكًا إلى شكهم وريبًا إلى ريبهم كما قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ} الآية, وقوله تعالى: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} وهذا من جملة شقائهم أن ما يهدي القلوب يكون سببًا لضلالهم ودمارهم كما أن سيء المزاج لو غذي به لا يزيده إلا خبالًا ونقصًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت