الوليد: حدثنا أرطاة بن المنذر, سمعت رجلًا من مشيخة الجند يقال له أبو الحجاج يقول: جلست إلى أبي أمامة فقال: إن المؤمن ليكون متكئًا على أريكته إذا دخل الجنة, وعنده سماطان من خدم, وعند طرف السماطين باب مبوب, فيقبل الملك فيستأذن فيقول للذي يليه ملك يستأذن, ويقول الذي يليه للذي يليه ملك يستأذن, حتى يبلغ المؤمن فيقول: ائذنوا, فيقول أقربهم للمؤمن: ائذنوا له, ويقول الذي يليه للذي يليه: ائذنوا له, حتى يبلغ أقصاهم الذي عند الباب, فيفتح له, فيدخل فيسلم ثم ينصرف, رواه ابن جرير. ورواه ابن أبي حاتم من حديث إسماعيل بن عياش, عن أرطاة بن المنذر عن أبي الحجاج يوسف الإلهاني قال: سمعت أبا أمامة فذكر نحوه. وقد جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزور قبور الشهداء في رأس كل حول فيقول لهم: {سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} وكذلك أبو بكر وعمر وعثمان.
{وَالّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ أُوْلََئِكَ لَهُمُ اللّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوَءُ الدّارِ}
هذا حال الأشقياء وصفاتهم, وذكر ما لهم في الآخرة, ومصيرهم إلى خلاف ما صار إليه المؤمنون, كما أنهم اتصفوا بخلاف صفاتهم في الدنيا, فأولئك كانوا يوفون بعهد الله, ويصلون ما أمر الله به أن يوصل, وهؤلاء {وَالّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ} كما ثبت في الحديث"آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب, وإذا وعد أخلف, وإذا اؤتمن خان". وفي رواية"وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر", ولهذا قال {أُوْلََئِكَ لَهُمُ اللّعْنَةُ} وهي الإبعاد عن الرحمة , {وَلَهُمْ سُوَءُ الدّارِ} وهي سوء العاقبة والمآل, {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} . وقال أبو العالية في قوله تعالى: {وَالّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ} الآية, قال: هي ست خصال في المنافقين, إذا كان فيهم الظهرة على الناس أظهروا هذه الخصال: إذا حدثوا كذبوا, وإذا وعدوا أخلفوا, وإذا ائتمنوا خانوا, ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه, وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل, وأفسدوا في الأرض, وإذا كانت الظهرة عليهم أظهروا الثلاث الخصال: إذا حدثوا كذبوا, وإذا وعدوا أخلفوا, وإذا اؤتمنوا خانوا.
{اللّهُ يَبْسُطُ الرّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدّنْيَا فِي الآخرة إِلاّ مَتَاعٌ وَيَقُولُ الّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مّن رّبّهِ قُلْ إِنّ اللّهَ يُضِلّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيَ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ}
يذكر تعالى أنه هو الذي يوسع الرزق على من يشاء, ويقتر على من يشاء, لما له في ذلك من الحكمة والعدل, وفرح هؤلاء الكفار بما أوتوا من الحياة الدنيا استدراجًا لهم وإمهالًا, كما قال: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ} ثم حقر الحياة الدنيا بالنسبة إلى ما ادخره تعالى لعباده المؤمنين في الدار الآخرة, فقال: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ} , كما قال: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا} وقال: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} . وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع ويحيى بن سعيد, قالا: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس, عن المستودر أخي بني فهر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه هذه في اليم, فلينظر بم ترجع"وأشار بالسبابة, رواه مسلم في صحيحه. وفي الحديث الآخر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بجدي أسك ميت, والأسك الصغير الأذنين, فقال:"والله للدنيا أهون على الله من هذا على أهله حين ألقوه".