القصتان في التوراة, والله أعلم, وبالجملة فالله تعالى قد قص علينا خبر قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من الأمم المكذبة للرسل مما لا يحصي عددهم إلا الله عز وجل {جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} أي بالحجج والدلائل الواضحات الباهرات القاطعات, وقال ابن إسحاق عن عمرو بن ميمون, عن عبد الله أنه قال في قوله: {لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ} كذب النسابون. وقال عروة بن الزبير: ما وجدنا أحدًا يعرف ما بعد معد بن عدنان.
وقوله: {فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ} اختلف المفسرون في معناه, قيل: معناه أنهم أشاروا إلى أفواه الرسل بأمرهم بالسكوت عنهم لما دعوهم إلى الله عز وجل. وقيل: بل وضعوا أيديهم على أفواههم تكذيبًا لهم. وقيل: بل هو عبارة عن سكوتهم عن جواب الرسل. وقال مجاهد ومحمد بن كعب وقتادة: ومعناه أنهم كذبوهم وردوا عليهم قولهم بأفواههم. قال ابن جرير: وتوجيهه أن في هنا بمعنى الباء, قال: وقد سمع من العرب أدخلك الله بالجنة يعنون في الجنة, وقال الشاعر:
وأرغب فيها عن لقيط ورهطه ... ولكنني عن سنبس لست أرغب
يريد أرغب بها. قلت: ويؤيد مجاهد تفسير ذلك بتمام الكلام {وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} فكأن هذا ـ والله أعلم ـ تفسير لمعنى {فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ} . وقال سفيان الثوري وإسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله في قوله: {فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ} قال: عضوا عليها غيظًا. وقال شعبة عن أبي إسحاق عن أبي هبيرة بن يريم, عن عبد الله أنه قال ذلك أيضًا. وقد اختاره عبد الرحمن بن زيد بن أسلم, ووجهه ابن جرير مختارًا له بقوله تعالى عن المنافقين {وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ} . وقال العوفي عن ابن عباس: لما سمعوا كلام الله عجبوا ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم, وقالوا: إنا كفرنا بما أرسلتم به الآية, يقولون: لا نصدقكم فيما جئتم به, فإن عندنا فيه شكًا قويًا.
{قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكّ فَاطِرِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخّرَكُمْ إِلَىَ أَجَلٍ مّسَمّى قَالُوَاْ إِنْ أَنتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدّونَا عَمّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مّبِينٍ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نّحْنُ إِلاّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ وَلََكِنّ اللّهَ يَمُنّ عَلَىَ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ وَعلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكّلِ الْمُؤْمِنُونَ وَمَا لَنَآ أَلاّ نَتَوَكّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنّ عَلَىَ مَآ آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكّلِ الْمُتَوَكّلُونَ}
يخبر تعالى عما دار بين الكفار وبين رسلهم من المجادلة, وذلك أن أممهم لما واجهوهم بالشك فيما جاءوهم به من عبادة الله وحده لا شريك له, قالت الرسل: {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ} وهذا يحتمل شيئين
(أحدهما) : أفي وجوده شك, فإن الفطر شاهدة بوجوده ومجبولة على الإقرار به, فإن الاعتراف به ضروري في الفطر السليمة, ولكن قد يعرض لبعضها شك واضطراب, فتحتاج إلى النظر في الدليل الموصل إلى وجوده, ولهذا قالت لهم الرسل ترشدهم إلى طريق معرفته بأنه {فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} الذي خلقهما وابتدعهما على غير مثال سبق, فإن شواهد الحدوث والخلق والتسخير ظاهر عليهما, فلا بد لهما من