قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا اجتمع أهل النار في النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة, قال الكفار للمسلمين: ألم تكونوا مسلمين ؟ قالوا: بلى, قالوا: فما أغنى عنكم الإسلام وقد صرتم معنا في النار ؟ قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها, فسمع الله ما قالوا فأمر بمن كان في النار من أهل القبلة فأخرجوا. فلما رأى ذلك من بقي من الكفار قالوا: ياليتنا كنا مسلمين فنخرج كما خرجوا ـ قال: ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} "ورواه ابن أبي حاتم من حديث خالد بن نافع به, وزاد فيه: بسم الله الرحمن الرحيم عوض الاستعاذة.
(الحديث الثالث) قال الطبراني أيضًا: حدثنا موسى بن هارون, حدثنا إسحاق بن راهويه, قال: قلت لأبي أسامة أحدثكم أبو روق واسمه عطية بن الحارث حدثني صالح بن أبي طريف قال: سألت أبا سعيد الخدري فقلت له: هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في هذه الآية {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} ؟ قال: نعم سمعته يقول:"يخرج الله ناسًا من المؤمنين من النار بعدما يأخذ نقمته منهم"وقال:"لما أدخلهم الله النار مع المشركين, قال لهم المشركون: تزعمون أنكم أولياء الله في الدنيا فيما بلاكم معنا في النار, فإذا سمع الله ذلك منهم أذن في الشفاعة لهم, فتشفع لهم الملائكة والنبيون, ويشفع المؤمنون حتى يخرجوا بإذن الله, فإذا رأى المشركون ذلك قالوا: ياليتنا كنا مثلهم فتدركنا الشفاعة فنخرج معهم ـ قال ـ فذلك قول الله {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} فيسمون في الجنة الجهنميين من أجل سواد في وجوههم, فيقولون: يا رب أذهب عنا هذا الاسم, فيأمرهم فيغتسلون في نهر في الجنة فيذهب ذلك الاسم عنهم"فأقرّ به أبو أسامة وقال نعم.
(الحديث الرابع) قال ابن أبي حاتم, حدثنا علي بن الحسين, حدثنا العباس بن الوليد النرسي, حدثنا مسكين أبو فاطمة, حدثني اليمان بن يزيد عن محمد بن جبر عن محمد بن علي, عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"منهم من تأخذه النار إلى ركبتيه, ومنهم من تأخذه إلى حجزته, ومنهم من تأخذه النار إلى عنقه, على قدر ذنوبهم وأعمالهم, ومنهم من يمكث فيها شهرًا ثم يخرج منها, ومنهم من يمكث فيها سنة ثم يخرج منها, وأطولهم فيها مكثًا بقدر الدنيا منذ يوم خلقت إلى أن تفنى, فإذا أراد الله أن يخرجهم منها قالت اليهود والنصارى ومن في النار من أهل الأديان والأوثان لمن في النار من أهل التوحيد: آمنتم بالله وكتبه ورسله فنحن وأنتم اليوم في النار سواء, فيغضب الله لهم غضبًا لم يغضبه لشيء فيما مضى, فيخرجهم إلى عين في الجنة وهو قوله: {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} ".
وقوله: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا} تهديد شديد لهم ووعيد أكيد, كقوله تعالى: {قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} . وقوله: {كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ} , ولهذا قال: {وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ} أي عن التوبة والإنابة {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} أي عاقبة أمرهم.
{وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاّ وَلَهَا كِتَابٌ مّعْلُومٌ مّا تَسْبِقُ مِنْ أُمّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ}
يخبر تعالى أنه ما أهلك قرية إلا بعد قيام الحجة عليها وانتهاء أجلها, وأنه لا يؤخر أمة حان هلاكها عن ميقاتهم ولا يتقدمون عن مدتهم, وهذا تنبيه لأهل مكة وإرشاد لهم إلى الإقلاع عما هم عليه من الشرك والعناد والإلحاد الذي يستحقون به الهلاك.